إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 23 يوليه 2018 - 10 ذو القعدة 1439هـ

السلفية والصوفية: نصحٌ بعلم، وحكمٌ بعدل (6)

 رد علمي على ورقة بعنوان: "السلفية والصوفية، عداء لا ينتهي وحرب دائمة الاشتعال!"

كتبه/ محمد إبراهيم السعيدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الصوفية والسلفية وصفات الله -تعالى-:

يزعم الباحث زعمًا مرسلًا دون دليلٍ أو نقلٍ مِن أي مصدر: أن الصوفية تعتمد على العقل في تأويل صفات الله -تعالى- التي تفيد التشبيه والتجسيم؛ وأن هذا الموقف لا يرضاه السلفيون.

والصواب: أن الصوفية باعتبارهم متصوفة ليس لهم موقف مِن صفات الله -تعالى- عقلي أو نقلي؛ بل إن منهج التصوف لا يُعنى بالاشتغال بأي علمٍ مِن علوم المسلمين؛ فهو منهج فيما يُسمّى بالسلوك، وليس له علاقة بالفقه أو التفسير أو الحديث أو علم الكلام.

ويؤكد ذلك شيخ الصوفية ابن عربي حيث يقول: "فالتخلق بأخلاق الله هو التصوف، وقد بيَّن العلماء التخلق بأسماء الله الحسنى وبينوا مواضعها، وكيف تنسب إلى الخلق، ولا تحصى كثرة، وأحسن ما يُصرَف فيه مع الله خاصة، فمَن تفطن وصرفها مع الله أحاط علمًا بتصريفها مع الموجودات؛ فذلك المعصوم الذي لا يخطئ أبدًا، والمحفوظ مِن أن يتحرك أو يسكن سدى، جعلنا الله مِن الصوفية القائمين بحقوق الله والمؤثرين جناب الله" (الفتوحات المكية 2 / 266).

وهذا الكلام نقلتُه مع ما فيه مِن مخالفة عقدية كي أبيِّن أن التصوف مِن حيث هو تصوف لا علاقة له بالعلوم، بل هو سعي إلى التخلق بأخلاق الله -حسب تعبير ابن عربي-.

نعم، مِن الصوفية مَن اشتغلوا وبرعوا في كثيرٍ مِن العلوم، لكن ذلك ليس باعتبارهم صوفية، فهم إذا دخلوا حِلَق الذكر ومنهج السلوك؛ فلا علاقة لهم بأي علمٍ مِن العلوم.

وإذا بلغ الصوفية رتبة عليا مِن الطريق فإنهم يؤمنون بالحلول، أي: حلول الله -تعالى- بالمخلوقات جميعها مِن بشرٍ وحجرٍ وشجرٍ، ويؤمنون بالاتحاد، وهو: أن الإله هو الخلق والخلق هو الإله! وهذه نزعة فلسفية ليست مفارقة للعقل وحده، بل ومفارقة أيضًا للدين.

واستمع إلى هذه المقالة لأبي يزيد -وهي في منتهى التجسيم المذموم- قال: "رفعني -أي الله تعالى- مرة فأقامني بيْن يديه، وقال لي: يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أُحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا" (اللمع للسراج الصوفي، ص: 461).

فأي تشبيه وتجسيم أشنع مِن هذا؟! وهو أن يكون الله في صورة أبي يزيد البسطامي! تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

ويقول ابن عطاء السكندري: "ولقد سمعت شيخنا أبا العباس -رضي الله عنه- يقول: لو كشف عن حقيقة الولي لعُبد؛ لأن أوصافه مِن صفاته، ونعوته مِن نعوته!" (لطائف المنن، ص 95).

فأي تجسيم وبُعد عن العقل والشرع أكثر مِن هذا؟!

السلفية واتهام الصوفية بممارسة الشرك:

يذكر الباحث: أن السلفيين يتهمون الصوفية بالشرك الخفي، ويُعَرّف الباحث الشرك الخفي بأنه التبرك بالأضرحة، واللجوء للأولياء لقضاء الحاجات، وتعريف الباحث للشرك الخفي غير صحيح؛ إذ الشرك الخفي هو: أن يعمل العبد عملًا لا يريد به وجه الله -تعالى-، وإنما يريد به نظر الناس، وكتب السلفية واضحة في هذا الأمر.

أما الذي هو موضع الخلاف بيْن السلفية والصوفية فإنه الشرك الجليّ الواضح الحقيقي، وهو: صرف أي نوع مِن العبادات لغير الله -تعالى-، مِن ذبح ونذر ودعاء، فهذه يفعلها الصوفية يقصدون بها الأولياء مِن أصحاب القبور؛ وهو عمل مِن أعمال الشرك؛ ومع ذلك فإن السلفية لا يحكمون على مَن فعل ذلك بأنه مشرك أو كافر حتى تزول عنه الشبهة وتقام عليه الحجة، وهذا كثير في كلام العلماء.

واستمع لقول ابن تيمية كمثال على المنهج السلفي في التكفير: "وأما التكفير، فالصواب أن مَن اجتهد مِن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومَن تبيَّن له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبيَّن له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر، ومَن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقًا، وقد يكون له حسنات ترجح على سيئاته" (مجموع الفتاوى 12 / 18).

السلفيون ومصادر التلقي:

يذكر الباحث: أن السلفيين يرون مخالفة الصوفية للشرع في اعتبارهم الكشف والمنامات، ودعاوى رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- يقظة، مصادر للتلقي، وهذا الذي ذكره الباحث حق.

فنحن مأمورون بأخذ ديننا عن الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وما يراه الصوفيون مِن الكشف ورؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- والخضر هي مِن البدع البعيدة عن الشرع، البعيدة عن العقل؛ ولا يردّها السلفيون وحدهم؛ بل تردها أصول مذهب الأشاعرة والمعتزلة؛ وها هي كتب أصول الفقه ممَن كتبها أئمة العلماء المنتسبين لمنهج السلف؛ كـ"العدة" لأبي يعلى، و"التمهيد" لأبي الخطاب الكلوذاني، و"المسودة" لآل تيمية، وكذلك الكتب الأصولية التي كتبها المعتزلة؛ كـ"المعتمد" لأبي الحسين البصري، والتي كتبها أئمة الأشاعرة؛ كـ"شرح اللمع" للقاضي أبي إسحاق الشيرازي، والتي كتبها الماتريدية؛ كـ"أصول البزدوي"، كلها لا تذكر الكشف ولا الرؤيا المنامية، ولا دعاوى لقاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقظة في مصادر التلقي.

السلفية والإنسانية:

ينقل الباحث عن أحد الكتاب المغاربة: أن الصوفية أقرب للإنسانية مِن السلفية، وأن الصوفية تصل العبد بالله مباشرة، بينما السلفية تحتقر العبد، وتجعل بينه وبيْن الله واسطة مِن كتب الفقه.

والحقيقة: أن النص الذي نقله الباحث عمَن يسميه المفكر المغربي "أحمد عصيد" هو نص هجائي خال مِن أي لفتة بحثية أو فكرية أو علمية يمكن مِن خلالها تتبع ما ذكره والرد عليه، لكننا سوف نقف عند قضيتين مِن القضايا التي أثارها.

الأولى: حديثه عن تقييم السلفية مِن حيث بُعدها عن الإنسانية، فالباحث لم ينقل مقصود "أحمد عصيد" هذا بما يسميه الإنسانية، حتى يمكننا أن نحاكم قوله بدقة أكبر؛ ومع ذلك فمعيار الحكم عندنا ليس البعد أو القرب مِن أي مبدأ أو توجه إنساني؛ بل المعيار هو: مدى القرب مِن مراد الله -تعالى- في شرعه الذي جاءنا به نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ والسلفية هم أحرص الناس على أن تكون أحكامهم وآراؤهم ونظرتهم للإنسان والحياة والدين موافقة لكتاب الله وسنة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

أما الحديث عن الإنسانية فمعناه: تحكيم مرادات البشر وأعرافهم في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو الجفاء والبعد عن كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وعما كان عليه الصحابة وخيار الأمة مِن بعدهم مِن العلماء الربانيين، يقول -تعالى-: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65).

فالاحتكام ليس للإنسانية بأي فهم فهمناها عليه، وإنما للكتاب والسُّنة؛ وإذا عرضنا ما ذكره "أحمد عصيد" ونقله الباحث عنه على الكتاب والسُّنة وجدنا أن الكتاب والسُّنة على خلافه.

الثانية: ينقل الباحث عن "عصيد" هذا: أن مِن إنسانية الصوفية قولها بالحلول والاتحاد مع الله -عز وجل- وارتباط السلفيين بالفقه!

فهل الحلول والاتحاد عليهما دليل مِن كتاب الله وسنة نبيه، أم هما قولان لا يمتان للإسلام بصلة؟!

الجواب: أنهما مِن أشر أنواع الكفر بالله؛ لأن حقيقتهما عبادة العبد لنفسه؛ ويمكن للقارئ المنصف أن يقرأ عن الحلول والاتحاد وموقف الكتاب والسُّنة منهما.

ومما نقترحه مِن كتب في ذلك:

1- "عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية"، لأحمد بن عبد العزيز القصير.

2- و"هذه هي الصوفية"، لعبد الرحمن الوكيل. 

وينقل الباحث عن "أحمد عصيد": أن مما يميز الصوفية انشغالها بمتعها الروحية، واحتراق السلفيين مِن أجل بلوغ منصب سياسي!

والسؤال: هل الانشغال بما يسمونه المتع الروحية التي لم يرد فيها كتاب ولا سنة، ولم يعمل بها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا سلفنا الصالح، هل هذا الانشغال مِن الدين؟!

وأين قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) (متفق عليه)؟! وقوله: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (رواه مسلم)، وقوله: (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (رواه مسلم)؟! وأين هذه المتع الروحية مِن قوله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3)؟!

لا شك أن هذه المتع المزعومة مِن البدع التي لا دليل عليها، والسلفية لا يرون العمل بما لم يأذن به الله (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (الشورى:21).

وأما مشاركتهم السياسية فهم مِن الشعب، وأي بلد يسمح نظامه للشعب بالمشاركة السياسية؛ فلماذا يكونون بمعزل عنها إن أراد أحد منهم ذلك؟!

وأما قوله: "إن مِن ميزات الصوفية سعة أفقهم في مقابل ضيق أفق السلفية، وجمالية منهجهم في مقابل قبح السلفية"؛ فهي دعاوى مرسلة، وألفاظ هجائية لا تليق بمسلمٍ فضلًا عن أن يكون باحثًا، وإذا جاء الباحث بأمثلة لمزاعمه أو أدلة عليها فله علينا حق الرد، أما هذه الهجائيات فالدخول في الرد عليها مِن الهبوط الذي لا نرتضيه.

وفي الختام: أسأل الله -تعالى- أن يوفق أمتنا للعمل بكتابه وسنة الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وأن يجمعنا على كلمة الحق.

والحمد لله رب العالمين.