إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 28 يونيو 2018 - 14 شوال 1439هـ

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (44) عبد الملك بن مروان وصراعه مع عبد الله بن الزبير

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أحداث الصراع بيْن عبد الملك وأهل العراق، والتي انتهت بمقتل مصعب -رحمه الله-، ولما بلغ عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- قتل أخيه مصعب، قام فخطب في الناس، فقال: "الحمد لله الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك مَن يشاء، وينزع الملك ممَن يشاء، ويعز مَن يشاء، ويذل مَن يشاء؛ ألا إنه لن يذل الله مَن كان الحق معه، وإن كان فردًا، ولن يعز مَن كان وليه الشيطان وحزبه وإن كان معه الأنام طُرًّا -أي جميعًا-، ألا وإنه قد أتانا مِن العراق خبر أحزننا وأفرحنا، أتانا قتل مصعب -رحمه الله- فأما الذي أفرحنا فعلمنا أن قتله له شهادة، وأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي بعدها ذو الرأي إلى جميل الصبر، وكريم العزاء، ولئن أصبت بمصعبٍ، لقد أصبت بالزبير قبله، وما أنا مِن عثمان بخلو مصيبة، وما مصعب إلا عبد مِن عبيد الله، وعون مِن أعواني، إلا أن أهل العراق -أهل الغدر والنفاق- أسلموه وباعوه بأقل الثمن، فإن يقتل فإنا -والله- ما نموت على مضاجعنا كما تموت بنو العاص، والله ما قتل منهم رجل في زحف في الجاهلية ولا الإسلام، وما نموت إلا قعصًا -القعص: الموت السريع- بالرماح، وموتًا تحت ظلال السيوف؛ ألا إنما الدنيا عارية مِن الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه، ولا يبيد ملكه، فإن تقبل لا آخذها أخذ الأشِر البطر، وإن تدبر لا أبكي عليها بكاء الحَرِق المهين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم" (تاريخ الرسل والملوك).  

وبعد مقتل مصعب انحصرت دولة ابن الزبير في الحجاز، ولم يكن في استطاعته الصمود لافتقاره إلى المال والرجال، كما أن مقتل أخيه مصعب قد فَتَّ في عَضُدِه، ولكنه لم يُلْقِ الراية، وظل يقاوم حتى النهاية، وقد واجَه ابن الزبير عدة حملات عسكرية مِن الشام كحملة ابن دلجة القيني التي أتت في أواخر عهد مروان مِن الشام لقتال ابن الزبير، واستطاع ابن الزبير أن يتغلب على هذا الجيش (أنساب الأشراف للبلاذري)، ثم جاءت حملة عروة بن أنيف في ستة آلاف إلى المدينة، وأمرهم عبد الملك ألا ينزلوا على أحدٍ، ولا يدخلوا المدينة إلا لحاجة ضرورية وأن يعسكروا "بالعَرْصة" -البقعة الواسعة بيْن الدور لا بناء فيها، وهما عرصتان بنواحي المدينة بالعقيقوسار عروة بن أنيف وعسكر بالعرصة، ومكث عروة على هذا الوضع شهرًا، ولم يبعث إليه ابن الزبير أحدًا، ولم تحدث أي مواجهة بين جيشي عروة وابن الزبير، عندها أمر عبد الملك هذا الجيش بالعودة إلى الشام فرجع، ثم كانت حملة عبد الملك بن الحارث بن الحكم، وكان قوامها أربعة آلاف، وكانت مهمتها الحفاظ على المنطقة ما بيْن الشام والمدينة، ثم كانت حملة طارق بن عمرو، وكانت هذه الحملة هي آخر حملة وجهها عبد الملك بن مروان تجاه الحجاز (الدولَة الأمويَّة عَواملُ الازدهارِ وَتَداعيات الانهيار)، ثم لم يضع عبد الملك بن مروان وقتًا بعد انتصاره على مصعب، وقرر أن يقضي نهائيًّا على دولة ابن الزبير (العالم الإسلامي في العصر الأموي، عبد الشافي محمد عبد اللطيف).

ووقع الخيار لقيادة الجيش للقضاء على ابن الزبير على الحجاج بن يوسف، وتوجَّه بجيشه إلى الحجاز واستقر بالطائف، وبدأ يرسل بعض الفرق العسكرية إلى مكة، وكان ابن الزبير يرسل إليه بمثلها فيقتتلون وتعود كل فرقة إلى معسكرها، وفي محاولة لإنهاك ابن الزبير قام الحجاج بفرض حصار اقتصادي على مكة، وقد أثر هذا الحصار على ابن الزبير، وأصابت الناس مجاعة شديدة حتى إن ابن الزبير اضطر إلى ذبح فرسه ليطعم أصحابه (أنساب الأشراف للبلاذري)، وفي الوقت نفسه كانت العير تحمل إلى أهل الشام مِن عند عبد الملك، السويق، والكعك والدقيق، وقد ترتب على تردي الأحوال داخل مكة، أن بدأ التخاذل يدب بيْن أنصار ابن الزبير، وبدأوا ينسحبون واحدًا تلو الآخر.

ومما شجَّع على تخاذل هؤلاء: إعطاء الحَجّاج الأمان لكل مَن كف عن القتال، وانسحب مِن جيش ابن الزبير (أنساب الأشراف للبلاذري)، وأراد الحجاج بن يوسف الثقفي أن ينهي أمر ابن الزبير فكتب إلى عبد الملك بن مروان يطلب منه الإذن بقتاله ومناجزته، فأجابه عبد الملك بقوله: افعل ما ترى (أنساب الأشراف للبلاذري)، فتوجه الحجاج ابن يوسف بجميع جيشه إلى مكة ونصب المنجنيق على جبالها (تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف لابن الضياء)، وبدأ يضرب ابن الزبير داخل الحرم ضربًا متواصلاً (أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه للفاكهي)، وفي الوقت نفسه كانت بقية جيشه يقاتلون البقية الباقية مع ابن الزبير.

وتوسط بعض أعيان مكة "وعلى رأسهم ابن عمر" لدى الحجاج طالبين إليه أن يكف عن استعمال المنجنيق، فأجابهم: "والله إني لكاره لما ترون، ولكن ماذا أصنع وقد لجأ هذا إلى البيت؟ وكانت وفود الحج قد جاءت إلى مكة مِن كافة الأقطار الإسلامية، وقد منعهم مِن الطواف حول البيت ما يتعرض له الطائفون مِن خطر المنجنيق، ولما كان في ذلك تعطيل لركنٍ مِن أركان الحج، فقد تدخل في الأمر ابن عمر فكتب إلى الحجاج يقول له: اتقِ الله، فإنك في شهر حرام، وبلد حرام، وقد قدمت وفود الله مِن أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله، ويزدادوا خيرًا" (أنساب الأشراف للبلاذري)، فأرسل الحجاج إلى طارق بن عمرو بأن يكف عن استعماله حتى ينتهي الناس مِن الحج، وقال لهم: والله إني لكاره لما ترون، ولكن ابن الزبير لجأ إلى البيت، وبعد ما انتهى موسم الحج، نادى الحجاج في الناس بالانصراف إلى البلاد، وأن القتال سيستأنف ضد ابن الزبير" (أنساب الأشراف للبلاذري).

وذكر غير واحد أنهم لما رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق والبروق والرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق، ونزلت صاعقة فأصابت مِن الشاميين اثني عشر رجلًا؛ فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة، فلم يزل الحجاج يشجعهم ويقول: "إني خبير بهذه البلاد، هذه بروق تهامة ورعودها وصواعقها، وإن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم، وجاءت صاعقة مِن الغد فقتلت مِن أصحاب ابن الزبير جماعة كثيرة أيضًا، فجعل الحجاج يقول: ألم أقل لكم: إنهم يصابون مثلكم، وأنتم على الطاعة وهم على المخالفة" (البداية والنهاية لابن كثير).

ويروي البلاذري: أن العديد ممَن كانوا مع ابن الزبير حاولوا إقناعه بقبول أمان الحجاج بن يوسف، فلم يستجب ابن الزبير لمحاولاتهم، وأصر على القتال، وقد سطرت الروايات مواقف بطولية رائعة لابن الزبير -رضي الله عنه- في مواجهة كتائب الحجاج، وبالفعل بدأ الحجاج يضرب بعد انصراف الناس، وشدد على ابن الزبير، وتحرج موقفه وانفض عنه معظم أصحابه، وما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان ويتركون ابن الزبير حتى خرج إليه قريب مِن عشرة آلاف، فأمنهم وقل أصحاب ابن الزبير جدًّا، حتى خرج ابناه حمزة وخبيب، اللذان ذهبا إلى الحجاج وأخذا منه الأمان لأنفسهما! (الكامل في التاريخ لابن الأثير).

فلما رأى ابن الزبير ذلك دخل على أمه فقال لها: "يا أمه، خذلني الناس حتى ولديّ وأهلي، فلم يبقَ معي إلا اليسير ممَن ليس عنده مِن الدفع أكثر مِن صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردتُ مِن الدنيا، فما رأيك؟! فقالت: أنتَ -والله- يا بني أعلم بنفسك، إن كنتَ تعلم أنك على الحق وإليه تدعو فامضِ له، فقد قٌتل عليه أصحابك، ولا تمكِّن مِن رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنتَ إنما أردتَ الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، وأهلكت مَن قٌتل معك، وإن قلتَ: كنتُ على حقٍّ فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس مِن فعل الأحرار، ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا، القتل أحسن، والله لضربة بالسيف في عزٍّ، أحب إلي مِن ضربة بسوط في ذلٍّ، قال: إني أخاف إن قتلوني أن يمثِّلوا بي، قالت: يا بني إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها" (جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة، أحمد زكي صفوت).

فدنا منها وقبَّل رأسها، وقال: "هذا والله رأيي، والذي قمت به داعيًا إلى يومي هذا، ما ركنتُ إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتيني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أماه فإني مقتول مِن يومي هذا، فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر لله، فإن ابنك لم يتعمد منكرًا، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به، بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي مِن رضا ربي، اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي، أنت أعلم بي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني، فقالت أمه: إني لأرجو مِن الله أن يكون عزائي فيك حسنًا إن تقدمتني، وإن تقدمتك ففي نفسي، اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك.

قال: جزاك الله يا أمه خيرًا، فلا تدعي الدعاء لي قبْل وبعد.

فقالت: لا أدعه أبدًا، لمَن قُتل على باطلٍ فقد قٌتلت على حق، ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين" (تاريخ الرسل والملوك).

فتناول يديها ليقبلها فقالت: "هذا وداع فلا تبعد. فقال لها: جئتُ مودعًا؛ لأني أرى هذا آخر أيامي مِن الدنيا، قالت: امضِ على بصيرتك وادن مني حتى أودّعك. فدنا منها فعانقها وقبلها، ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه، واعتنقها ليودعها، وكانت قد أضرت في آخر عمرها، فوجدته لابسًا درعًا مِن حديد، فقالت: يا بني، ما هذا لباس مَن يريد ما تريد مِن الشهادة. فقال: يا أماه، إنما لبسته لأطيب خاطرك، وأسكن قلبك به. فقالت: لا يا بني، ولكن انزعه. فنزعه، وجعل يلبس بقية ثيابه ويتشدد، وهي تقول: شمر ثيابك. وجعل يتحفظ مِن أسفل ثيابه؛ لئلا تبدو عورته إذا قتل، وجعلت تذكره بأبيه الزبير، وجده أبي بكر الصديق، وجدته صفية بنت عبد المطلب، وخالته عائشة زوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وترجيه القدوم عليهم إذا هو قُتل شهيدًا، ثم خرج مِن عندها، فكان ذلك آخر عهده بها -رضي الله عنهما- وعن أبيه وأبيها، ثم قالت: امضِ على بصيرة فودعها وخرج" (البداية والنهاية لابن كثير)، قال مصعب بن ثابت: "فما مكثتْ بعده إلا عشرًا"، ويقال: خمسة أيام (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.