إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 02 يونيو 2018 - 18 رمضان 1439هـ

حتى نفوز برمضان (9)

رمضان... وتأثير القرآن الكريم في النفوس!

كتبه/ جمال متولي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنتلو القرآن الكريم تعبدًا وقربة لله -عز وجل- أولًا، ثم تهذيبًا للنفس وترقيقـًا للقلب، وارتقـاءً وسمـوًّا بالروح، وشفـاءً للصدور؛ هذا بالطبع لو أن النفس والقلب انفتحا لآيات الله -تعالى- ومقاصده، فإن الله -عز وجل- قال: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر:21).

فلا شك أن قلب المؤمن أولى بهذه الخشية، وهذا التأثر!

فللقرآن العظيم تأثيـر بليـغ في النفوس والعقـول التي تفهمه وتعي معانيه الغزيرة ومقاصده السيّالة، ولو كانت هذه العقول غير مسلمة ابتداءً؛ مثل هذه العقول والقلوب حين تسمع آيات الله -تعالى- على الفور تدمع عيونها، وتلين قلوبها، وتستجيب لنداء الإيمان دون تلكؤ، قال -تعالى- عن القساوسة: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة:83).

وليس ذلك في البشر فقط، بل حتى مردة الجِـن، تأثرت أفئدتهم ولانت قلوبهم لآيات الله -تعالى- فور سماعها وآمنت، قال -تعالى-: (اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (الجن:1-2).

بل تعجب أشد العجب مِن تأثر المشركين أنفسهم وهم غِلاظ القلوب، ومتحجري النفوس، حينما سمعوا آيات الله -تعالى- تُتلى على مسامعهم تأثرًا قادهم إلى السجود وهم على الكفر؛ مِن شِدة تأثرِهم بجمال وجلال وعظمة، وإعجاز ما سمعوه مِن كلام الله -تعالى-.

وما قصة عتبة بن ربيعة -وهي مشهورة- عنا ببعيدٍ؛ إذ اختارته قريش ليتفاوض مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعرض عليه ما لديه، ولما فرغ مِن عرضه وكلامه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَرَغْتَ أبا الوليد؟" قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، (حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (فصلت:2)، حَتَّى بَلَغَ: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثمُودَ) (فصلت:13)، ما سمعها عُتْبَةُ حتى أنصت لها: وألقى يديه خلف ظهرِه معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى السجدة منها فسجد حتى قال عتبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "حَسْبُكَ حَسْبُكَ!". فقام مِن عند النبي -صلى الله عليه وسلم- راجعًا لرءوس المشركين فسألوه: ما وراءك؟! قال: "ورائي أني قد سمعت قولًا والله ما سمعتُ مثله قط! والله ما هو بالشعر ولا بالسِّحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلُّوا بيْن هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننَّ لقوله الذي سمعتُ منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كُفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكُه ملككم، وعزُّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به" (رواه البيهقي والحاكم بسندٍ صحيح)

نسأل الله -عز وجل- أن يجعل القرآن الكريم نورًا لعقولنا. اللهم آمين.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.