إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 28 مايو 2018 - 13 رمضان 1439هـ

دور العلماء في الفتن

كتبه/ محمد القاضي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعندما يحل الظلام في الصحراء أو البحر -مثلًا- يكون المسافرون مِن مكانٍ لآخر في أشد الحاجة إلى ضوء القمر، وإلى هداية النجوم؛ ليستدلوا على الطريق وينجوا مِن التيه، والناس أشد حاجة إلى مَن يرشدهم ويدلهم على طريق الخلاص مِن الفتن مِن حاجتهم إلى النجوم في الصحراء لتدلهم على الطريق.

وبالنظر إلى الواقع الذي نعيشه هذه الأيام تجده واقعًا يموج بالفتن كموج البحر كقطع الليل المظلم، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أنها مزلزلة للإيمان في القلوب بقوله: (يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) (رواه مسلم).

هذه الفتن تحتاج أول ما تحتاج إلى إعانةٍ مِن الله، وتوفيق منه -عز وجل- لتجاوزها وللعصمة فيها مِن الزلل. وثانيًا تحتاج إلى علماء ربانيين يقرؤونها قبْل وقوعها، ويرشدون الناس للسير فيها.

ولا شك أن هذا دور خطير ومؤثر في حياة الأمة على مرِّ العصور؛ ففي كل مرحلة حرجة مرَّت بها الأمة عبْر التاريخ كان هناك جهد مِن العلماء في تلك الحقب التاريخية، كموقف سلطان العلماء "العز بن عبد السلام" أيام غزو التتار، وموقفه في تجيش الأمة وجمع شتاتها خلف "قطز"، وتحمل العقبات والمشكلات التي كانت في حينها يئن تحت وطئتها الواقع السياسي في تلك الفترة، وكذلك موقف شيخ الإسلام ابن تيمية مِن الصليبين وجهده السياسي، وكذلك موقفه مِن التتار وجهده السياسي في جمع شتات الأمة وحشدها ضد أعدائها، وتقوية عزيمتها، وأدوارهم البطولية ليس في التحميس فقط، بل بالمشاركة بالنفس في الجهاد! كل هذا وغيره كثير يصب فيما ذكرناه آنفًا مِن دور العلماء البارز في المحن والفتن، في جمع الناس على طريقٍ واحدٍ، وتوحيد صفوف الأمة ضد أعدائها، وإعلاء المصالح العامة على المصالح الخاصة الضيقة.

وعلى صعيد آخر: دورهم البارز في مهاجمة أصحاب البدع المنحرفة عن منهج أهل السُّنة والجماعة، والتأصيل لمنهج أهل السُّنة في كل القضايا؛ خاصة في القضايا الشائكة التي تكون محل هجوم مِن أهل البدع، والتاريخ الإسلامي مليء بالمواقف الطيبة لعلماء أجلاء في مواجهة مبتدعي زمانهم وتحملهم في سبيل ذلك، لا أقول -السب و الشتم-، بل السجن والضرب والقتل في بعض الأحيان، وموقف الإمام أحمد سيظل على مرِّ العصور موقفًا شامخًا ليس له مثيل، ومحلًا للاقتداء والاتساء مِن كل الأمة؛ فما بالك بعلمائها؟!

ومعلوم أن أهل البدع يشغِّبون ويرفعون عقيرتهم، ويشتمون ويسبون، ويتهجمون بالباطل على أهل الحق، لكن مَن يقف لأهل البدع إلا العلماء الذين يتلقون الأذى ويتحملونه في سبيل الله، ويفعلون كما فعل إمام الأنبياء والمرسلين -صلى الله عليه وسلم- لما كذبه قومه وأدموه، فأماط الدم عن وجهه، وقال: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) (متفق عليه).  

فهداية الناس إلى طريق الحق عند تشابك الطرق والتباس الحق بالباطل هي مهمة العلماء ولا شك، وما أظن زمانًا مرَّ على الأمة أشد التباسًا مِن هذه الأزمنة التي لشدة الالتباس سميت الأشياء بغير اسمها؛ فسمِّي العنف والقتل والتفجير والتدمير جهادًا في سبيل الله، والتكفير والحكم على الناس بالردة تطبيق لشرع الله وإقامة لحدوده! وتثوير الشعوب على رؤسائها يُسمَّى إصلاحًا، وتغرير الشباب لمواجهة الرصاص والمدافع بصدورٍ عاريةٍ يسمَّى جهادًا في سبيل الله، وكلمة حق عند سلطان جائر.

كل هذا اللبس لا يقوم بتفنيده، وإيضاح الموقف الشرعي فيه المستند إلى الفهم الصحيح للكتاب والسُّنة، بفهم السلف الصالح ومَن تبعهم بإحسان؛ إلا العلماء الربانييون الذين يقولون الحق وبه يعملون، ولو أوذوا في ذلك أشد الأذى؟!

هناك الآلاف، بل الملايين بدون مبالغةٍ ينتظرون أن يصدر علماء أهل السُّنة في المصر الواحد عن قولٍ واحدٍ في مواجهة أهل البدع، وألا تكن المواقف متميعة والأقلام مرتجفة لا يُفهم منها موقف هذا العالم، وهل هو إلى هؤلاء أم إلى أولئك؟!

أنا لا أتكلم عن موقفٍ سياسيٍ تختلف حوله الآراء، وتتباين معه المواقف، وهذا لا يفسد للود قضية، بل أتكلم عن القضايا الكلية؛ قضايا المنهج السلفي التي يتبناها السلفيون كأصول للمنهج، مثل أن الإصلاح والتغيير لأي مجتمع لا يتم بمواجهة الدعوية الإصلاحية لمجتمعاتها، وكقضية أساسية للإصلاح في منهج الأنبياء على هذا المستوى مِن القضايا ينبغي أن تكون الكلمة واحدة، والرأي واحد.

والله ولي التوفيق.