إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 18 أبريل 2018 - 2 شعبان 1439هـ

وظيفة خالية!

كتبه/ جمال فتح الله عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثيرٌ مِن الناس يتسابقون على أعلى الوظائف، وربما دفع أموالاً أكثر حتى يتبوأ وظيفة أعلى ولو على حساب الفقراء المؤهلين المستحقين لهذه الوظيفة, وربما يرضى بوظيفةٍ محرمةٍ مِن أجل الأموال والمنصب, وينسى هذا المسكين أنه سيُحاسَب على هذه الأموال: مِن أين اكتسبها؟ وأين أنفقها؟

وهناك وظيفة قيِّمة وعظيمة ورفيعة المستوى، وأموالها لا حصر لها، يزهد فيها كثيرٌ مِن الناس، ولا يقبل أن يعمل بها! وهي مِن أشرف الوظائف وأعلاها منزلة عند الله, وهي أن تكون بيْن الله وبيْن خلقة؛ ألا وهي: "وظيفة الرسل والأنبياء"؛ أن تبلِّغ عن الله -عز وجل-.

إذا اختارك الله في هذه الوظيفة مِن بيْن ملايين البشر لتكون داعية إليه فقد رضي عنك, وبوأك في أعلى منصبٍ رفيع المستوى؛ لأن الله اصطفى مِن البشر الرسل والأنبياء، واختارهم لحمل رسالته.

والعلماء هم ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، ولكن ورثوا العلم، فمَن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ, قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة:67).

قال السعدي -رحمه الله-: "هذا أمر مِن الله لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- بأعظم الأوامر وأجلها, وهو التبليغ لما أنزل الله إليه, ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه، مِن العقائد والأعمال والأقوال, والأحكام الشرعية والمطالب الإلهية، فبلغ -صلى الله عليه وسلم- أكمل تبليغ, ودعا وأنذر, وبشر ويسر, وعلَّم الجهال الأميين حتى صاروا مِن العلماء الربانيين, وبلَّغ بقوله وفعله, وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة مِن الصحابة".

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول -تعالى- مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام. قال البخاري عن مسروق عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: مَن حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل الله عليه فقد كذب".

وقوله -تعالى-: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي بلِّغ أنتَ رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم؛ فلا تخف، ولا تحزن؛ فلن يصل أحدٌ منهم إليك بسوءٍ يؤذيك، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قبْل نزول هذه الآية يُحرس".

بل هو سنة الله أبدًا مع مَن يكلفهم بالبلاغ إذا هم بلغوا, فقد عصم إبراهيم بعد البلاغ وجعل له النار بردًا وسلامًا, كما عصم موسى وعيسى ونوحًا ولوطًا -عليهم السلام جميعًا-، بل تلك سنة الله مع الدعاة في كل زمانٍ ومكانٍ إذا هم بلغوا, ولن تجد لسنة الله تحويلًا، أما إذا لم يبلغوا فإن سنة الله هي إلحاق العذاب بالمكلفين بالبلاغ.

لقد طلب الله -عز وجل- في أمر تكليفي إلى الأمة المحمدية أن تصدع بهذا الأمر (الدعوة) قائلًا: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف:108).

ومِن المقررات الشرعية في الدلالات القرآنية أن كل أمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- أمر لأمته؛ ما لم يقم دليل الفرق والاختصاص.

قال الشيخ محمد أبو زهرة تعليقًا على هذه الآية بأنها دلت على أمور ثلاثة:

1- أن دعوة المؤمنين غيرهم مِن بني البشر تدخل ضمن شروط اتباع النبي, فمَن تخاذل عن الدعوة لا يُعد تابعًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-.

2- أن تكليف النبي تبليغ رسالة ربه تكليف لأمته؛ لا يتخلى عنه مؤمن، ولا يتركه أمين.

3- تشير الآية إلى أن يكون الداعية على بينةٍ مِن الأمر يأتيه في طريقه في رفقٍ ولينٍ دون الغلظة، وتنفير الناس منه.

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "ولما كان التبليغ عن الله -سبحانه- يعتمد العلم بما يبلغ, والصدق فيه؛ لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمَن اتصف بالعلم والصدق, فيكون عالمًا بما يبلغ, صادقًا فيه, ويكون مع ذلك حسن الطريقة, مرضي السيرة, عدلًا في أقواله وأفعاله, متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله".

فهل تقبل هذه الوظيفة؟!