إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 31 مارس 2018 - 14 رجب 1439هـ

"الإصلاح" منهج الإسلام في مجابهة التحديات

كتبه/ أسامة شحادة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد شهد تاريخ الإسلام الممتد في التاريخ منذ ألف وأربعمائة سنة، والمنتشر في ربوع الدنيا، الكثير مِن التحديات والصعاب، والتي شابتْ منها رؤوس الأطفال، وذهلت فيها العقول عن البديهيات؛ بسبب فظائع وجرائم المغول والتتار، ومحاكم التفتيش، وحملات الصليبيين والصفويين، والمحتلين، وغيرهم مِن الإرهابيين والغزاة.

ورغم كل ذلك فقد تجاوز المسلمون هذه المحن العظيمة والتحديات الدموية الكارثية كل مرة، مِن خلال العودة لمنهج الإصلاح وتجديد الدين، تطبيقًا للوعد الرباني: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) (محمد:7).

ومَن درس التاريخ الإسلامي سيجد أن كل كارثة حلّت بالمسلمين كانت بسبب تفريطٍ منهم في دينهم بانتشار المعاصي والبدع والشركيات، ويعقبه ميل للدنيا وترك للأخذ بالأسباب، ووهن العزائم والهمم.

وسيجد كل دارس للتاريخ الإسلامي أن قوة الإسلام ونهضته كانت دومًا مرتبطة بالعودة للتمسك بالقرآن والسُّنة، والاقتداء بالصدر الأول، وهو ما عبّر عنه الإمام مالك، إمام أهل المدينة، بكلمته العظيمة: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، ومعلوم أن صلاح أمة الإسلام في الصدر الأول كان بتعظيم أمر الله -سبحانه وتعالى-، وأمر نبيه -عليه الصلاة والسلام-؛ ولذلك حين خالف الرماة يوم أُحد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- تمكَّن الكفار مِن الهجوم عليهم مِن الخلف.

وعليه؛ فإن منهج الإصلاح الذي يحارب الفساد في الدين والدنيا مِن خلال نشر العلم والقيام بتوحيد الله -عز وجل-، والأخذ بالأسباب هو سبيل المسلمين لمواجهة التحديات والفتن مهما كبرت وعظمت.

فالجهود الإصلاحية التي قام بها العلماء مِن بثِّ العلم وإنكار المنكرات، ونصيحة السلطان، وترتيب أمور الدولة هي التي أزالت عادية الصليبيين، وعادية التتار والمغول، وهي التي تصدت للاحتلال وعدوانه حتى نالت الاستقلال.

وهذه الجهود التي يقوم بها العلماء هي مِن معاني ما أخبرنا به النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، فتجديد الدين هو أساس الإصلاح، الذي هو أساس نهضة المسلمين، وأخبرنا -عليه الصلاة والسلام- أيضًا فقال: (بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: (الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

فالإصلاح هو وظيفة الغرباء آخر الزمان، كما كان الإصلاح وظيفة النبي -صلى الله عليه وسلم- الغريب في أول الإسلام، حيث قام بإصلاح عقائد الناس، وإتمام مكارم الأخلاق، وإقامة الحق والعدل بيْن الناس، وتغلب بالإصلاح على كل مكائد الكفار والمشركين، حيث بلَّغ رسالة الإسلام للناس، وعلَّم المؤمنين أحكام وعقائد الدين، وأخذ بالأسباب فتغلب على الصعاب؛ هذا سبيله -عليه الصلاة والسلام-، وهذا السبيل الذي ينبغي أن نسير عليه حتى نفوز كما فازوا.