إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 13 مارس 2018 - 25 جمادى الثانية 1439هـ

السَّكِينَة!

كتبه/ خالد آل رحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـ"السَّكِينَة": كلمة قرآنية ذُكرت في ستة مواضع في القرآن الكريم، وبعضهم قال خمسة مواضع، وكلها تدل على الاطمئنان والسكون، وزوال الرعب والوقار، وهي ما نحتاجه جميعًا في هذه الأيام في ظل هذا الكم الهائل مِن الفتن المتلاطمة والمتلاحقة كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضها، والسكينة كما عرفها الجرجاني: هي ما يجده القلب مِن الطمأنينة عند تنزل الغيب، وهي نور  في القلب يسكن إليه شاهده ويطمئن.

وقيل: هي زوال الرعب.

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه مِن شدة الخوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات" (انتهى).

وقد وردتْ لفظة السكينة في القرآن الكريم في ستة مواضع مِن القرآن الكريم في ثلاث سور كالتالي: "وردت في سورة البقرة، وفي موضعين مِن سورة التوبة، وثلاثة مواضع في سورة الفتح" إلا ابن عباس -رضي الله عنهما- ذكر أنها خمسة مواضع فقط، ويُخرج ما ورد في سورة البقرة بقوله: "كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا في سورة البقرة" (انتهى).

 قال -تعالى-: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة:248)، وقال: (ثُمَّ أَنزَلَ اللَّـهُ سَكينَتَهُ عَلى رَسولِهِ وَعَلَى المُؤمِنينَ وَأَنزَلَ جُنودًا لَم تَرَوها وَعَذَّبَ الَّذينَ كَفَروا) (التوبة:26)، وقال: (إِذ يَقولُ لِصاحِبِهِ لا تَحزَن إِنَّ اللَّـهَ مَعَنا فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنودٍ لَم تَرَوها) (التوبة:40)، وقال: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّـهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الفتح:4)، وقال: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّـهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح:18)، (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) (الفتح:26).

والمتأمل في هذه الآيات يجد شيئًا عجيبًا، وهو أن المولى -تعالى- ينزِّل السكينة على الرسل والمؤمنين في أحلك الظروف وأصعب المواقف، ليس هذه فحسب، بل تجده -تبارك وتعالى- يؤيدهم بجنودٍ مِن السماء وقد ذكر ذلك في غير ما آية كما يوم "حنين" و"الحديبية" و"الهجرة".

قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "السكينة مغنم، وتركها مغرم".

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة".

قال: "وسمعتُه يقول في واقعةٍ عظيمةٍ جَرَت له في مرضه لما اشتد عليه الأمر، قلتُ لأقاربي ومَن حولي: اقرؤوا آيات السكينة. قال: أقلع عني ذلك الحال وجلست وما بي قلبة!"

وقال أحدهم: "أما السكينة التي نزلت على قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقلوب المؤمنين فهي شيء يجمع قوة وروحًا، يسكن إليها الخائف ويتسلى بها الحزين والضجر، ويسكن إليها العصي والجريء الأبي" (انتهى).

فما أحوجنا إلى السكينة في هذه الأيام؛ لتسكن قلوبنا، وتسمى أرواحنا، ويزداد إيماننا، خروجًا مِن هذه الفتن التي تتعاقب علينا، وتُعرض كعرض الحصير عودًا عودًا.