إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 28 فبراير 2018 - 12 جمادى الثانية 1439هـ

شبهات الملاحدة (6)

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الشبهة السادسة: حول قوله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء:30).

يدَّعي بعض الطاعنين أن القرآن الكريم قد أخطأ في هذه الآية؛ لأن الله -سبحانه- قد خلق الملائكة مِن نورٍ، كما أنه نص في آياتٍ أخرى على أن الجن خُلق مِن النار؛ فقال: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) (الحجر:27)، ونص كذلك على أن آدم -عليه السلام- خُلق مِن الصلصال؛ فقال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) (الرحمن:14).

وجه إبطال الشبهة:

- إن الماء أصل جميع الكائنات والمخلوقات الحية؛ فمنه خُلقت بنسبٍ كبيرة، وبه تستمر حياتها في النمو والعطاء على أكمل وجه؛ فإذا قلَّ الماء عن حده الطبيعي باتت حياة هذه الكائنات مهددة بالخطر والهلاك، وهذه حقيقة علمية قد توصل إليها علم الأحياء وعلم الكيمياء الحيوية وعلم وظائف الأعضاء حديثًا، فقد ثبت بالتحليل أن نسبة الماء في جسم الإنسان تتراوح بيْن 71% في الإنسان البالغ، و93% في الجنين ذي الأشهر المحدودة، بينما يكون الماء أكثر مِن 80% مِن تركيب دم الإنسان، وأكثر مِن 90% مِن أجساد العديد مِن النباتات والحيوانات.

- كذلك أثبت علم الأحياء أن الماء يحتل أكبر نسبة بيْن سائر المواد التي تتركب منها الخلية الحية، وهي وحدة البناء في كيان كل كائن حي، إنسانًا كان أو حيوانًا أو نباتًا، وكذلك أثبت علم الكيمياء الحيوية أن الماء لازم لحدوث كافة التفاعلات والتحولات التي تتم داخل جسم الأحياء؛ فهو إما وسط، أو عامل مساعد، أو داخل في التفاعلات أو ناتج عنها.

- كما أثبت علم وظائف الأعضاء أن الماء ضروري لقيام كل عضو بوظائفه، التي بدونها لا تتوافر مظاهر الحياة ومقوماتها.

فأما عن زعمهم أن القرآن أخطأ في تلك الآية عندما قرر أن الله -تعالى- خلق مِن الماء كل شيء حي، في حين خلق الملائكة مِن نورٍ، وخلق الجن مِن نارٍ، وخلق آدم مِن صلصال؛ ففي كلامهم هذا مخالفة كبيرة؛ فثمة فارق كبير بيْن "جعل" و"خلق"، فـ"جعل" تفيد التحول والصيرورة مِن شيءٍ إلى شيء، أما "خلق" فتفيد الخلق مِن العدم وعلى غير مثال سابق، قال الله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء:30)، ولم يقل: "وخلقنا مِن الماء كل شيء حي"، وهذا تغيير للنص القرآني.

أما زعمهم أن الإنسان خلق مِن صلصال كالفخار ولم يخلق مِن الماء؛ فالرد على هذا جد يسير؛ فالصلصال عبارة عن اختلاط الماء بالطين، فالطين لا يخلو مِن الماء، فهو خليط مِن التراب والماء، يعضد ذلك قوله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) (الفرقان:??)، ومِن ثَمَّ فإن مادة خلق الإنسان هي الماء والطين.

وإذا انتقلنا إلى قوله -تعالى-: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ)؛ فنار السموم هي اختلاط الهواء بألسنة اللهب، والهواء يكون محملًا ببخار الماء؛ ومِن ثَمَّ فإن اختلاط الهواء -الذي هو محمل ببخار الماء- بألسنة اللهب ينتج عنه نار السموم، وهي المادة التي خلق منها الجان؛ ومِن ثَمَّ فالماء موجود في مادة خلق الجان، ولكن بنسبة معينة، والله -تعالى- قال: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، و(مِنَ) هنا تفيد التبعيض.

أما قولهم: إن الملائكة خلقتْ مِن نورٍ وليس مِن الماء؛ فمعلوم أن الماء حينما يتبخر بنسبٍ عالية، فإن ذلك البخر تتكون منه السحب، كما يتم البخر لغاز الميثان، ثم يحدث تأين لغاز الميثان في السحب الركامية، وينتج عن ذلك شحنات كهربائية، وهذه الشحنات يتم تفريغها؛ إما بيْن سحابة وأخرى، أو بيْن سحابة والأرض، والبرق هذا النور اللامع الشديد، هو نتيجة هذا التفريغ؛ فلقد بدأنا بالماء وانتهينا بالنور الذي هو مادة خلق الملائكة.