إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 06 ديسمبر 2017 - 18 ربيع الأول 1439هـ

"أبيدوا السلفيين - أغلقوا الأزهر - وأحرقوا كتب التراث!"

كتبه/ عبد الغفار طه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

"الإثارة - الهستيريا - الإقصاء!": مفردات ثلاث باتتْ تعبِّر عن الحالة السياسية والاجتماعية المصرية في ظل إعلامٍ تعبوي غير مسئول، ونُخَبٍ تتملكها تصفية الحسابات، وتداعبها أحلام الانفراد بالساحة!

ساخنون كعنوان المقال، ملتهبو النظرات، حادو القسمات؛ يخرج علينا رعاة الهستيريا الإعلامية والسياسية بتصريحاتهم الانتهازية؛ كل في معركته وساحته!

"بعض منتسبي الأزهر يكفِّرون الأقباط، والأقباط مضطهدون!" هكذا يصرِّح أولهم!

أما ثانيهم؛ فوجَّه رميته تجاه السلفيين قائلًا: "السلفيون سبب كل الشرور!".

وثالثة الأثافي ذاك الذي أبى أن تمر ليلته بغير افتراءٍ على خصمه التاريخي قائلًا: "فتاوى ابن تيمية تبيح تفجير الصوفية داخل المسجد!".

ورابع، وخامس، وسادس، في مسلسل بات مكرورًا ومملًا، كلما اُبتليتْ أمتنا بحادثٍ مِن تلك الحوادث الأليمة؛ يأبى هؤلاء إلا أن يزيدوا الجراح، ويعمِّقوا الآلام!

وأنا أدعو العقلاء جميعًا للإجابة: "هل سيتوقف الإرهاب إذا أبدتم السلفيين، أو أغلقتم الأزهر، أو حاربتم التراث؟!".

والإجابة بالطبع لا.

فإن نبتة التطرف؛ تكفيرًا وتفجيرًا لم يزرعها السلفيون، ولا استنبتها الأزاهرة.

نشأت أول نبتة ضعيفة للتطرف في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- متمثلة في ذي الخويصرة التميمي قائلًا لسيد الخلق -صلى الله عليه وسلم-: "اعدل!"، ثم ترعرعت تلك النبتة على إثر الفتنة الكبرى؛ فكفـَّر الخوارج أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- واستحلوا دماءهم، وسارتْ ركبانهم بأشعار المديح في عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب -خير أهل الأرض حينها-، حتى قال قائلهم في مديح ابن ملجم:

يَـا ضَـرْبَةً مِـنْ تـَقـِيَ مـَا أَرَادَ بِهَا                    إلاَّ لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْـوَانـا

إنـِّـي لأَذْكُــرُهُ يـَــوْمـًا فَــأَحْسـَـبُـهُ                    أَوْفَى البَرِيَّةِ عِـنْـدَ الـلـه مِـيـزَانــًا!

وإذا كان مِن العسير تَفهُّم نفسية القاتل؛ فكيف يمكننا تفهم نفسية مَن يتقرب إلى الله بقتل ولي مِن أوليائه، وابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزوج ابنته، ووالد سبطيه وريحانتيه؟!

جدير بالذكر أنه لم يكن وقتها "أزهر"، ولا "ابن تيمية!".

طويلة قصة التطرف بطول الزمن، كثيرة فصولها، ولا نجد في أي مِن فصولها: "الأزهر"، ولا "ابن تيمية".

في فصلٍ مِن فصول قصة التطرف الكئيبة نجد أفكار "سيد قطب" التي تربت عليها، وخرجت مِن عباءتها جماعة التكفير، وجماعة الجهاد، فهل كان "سيد" أزهريًّا؟!

أم نشأ تنويريًّا في ميادين الثقافة والأدب، وتأثر بأديبنا الكبير عباس العقاد؟!

نبئوني عن مسئولية العقاد هو الآخر!

وقبْل ذلك نبئوني عن استبداد ناصر وسجون دولته أم برئت مِن التطرف براءتها مِن "نكسة ??"؟!

بل أخبرونا أيها السادة عن التطرف الغربي صهيونيًّا كان أو مسيحيًّا أو قوميًّا؛ هل له علاقة بأزهرنا هو الآخر؟!

دراسة هاتين الحقيقتين: ظهور التطرف في خير الأزمان، إضافة إلى عدم انحصاره في المسلمين يساعدنا على دراسة الدوافع النفسية والاجتماعية حول ظاهرة العنف الأيديولوجي -فيما يمكننا الحديث حوله في حلقاتٍ قادمة-.

ثم هنا حقيقة -بدهية لذوي الاطلاع- أن الدعوة السلفية بمصر نشأت منذ يومها الأول بعيدة "بل ومخاصمة" لأفكار الغلو والتطرف والصدام حتى كان أبناء الجماعات الصدامية يتندرون بها، واصفين أبناءها بـ"الجبن والتخاذل!" لرفضهم الصدام!

ومما يشهد لذلك دروس ومؤلفات رموز الدعوة بالإسكندرية، وعلى رأسهم: د."محمد إسماعيل - ود.أحمد فريد - ود.ياسر برهامي" في سلاسل مِن الردود على البوابات الخلفية للتكفير والتفجير مِن شبهات تراثية يتمسك بها أفراد جماعات الصدام في مسائل: "الحاكمية - والإيمان والكفر - والجهاد - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

فلا تغطوا الأسباب الحقيقية للتطرف بإلصاقه "بالسلفية" أو "بالأزهر"؛ لأن اختفاءهما لن يحل المشكلة، بل سيفاقمها بإخلاء الساحة مِن الأصوات الدينية الموسومة بدرجةٍ مِن الأصالة والاعتدال.