إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 02 نوفمبر 2017 - 13 صفر 1439هـ

لُب العبادات في الافتقار إلى رب الأرض والسماوات

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فافتقار العبد التام إلى الله هو حقيقة العبودية ولُبها، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر:15).

فأخبر -تعالى- بغناه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بيْن يديه، فكلهم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات.

وكلما كان العبد أعلم بالله -تعالى-، وصفاته وأسمائه؛ كان أعظم افتقارًا إليه وتذللًا بيْن يديه.

وحقيقة الافتقار إلى الله -تعالى-: أن يفتقر العبد في كل أحواله وأحيانه إلى مولاه، وأن يشهد في كل ذرة مِن ذراته الظاهرة والباطنة، فاقة تامة إلى الله مِن كل وجه. (مدارج السالكين بتصرف).

والمؤمن يقتدي بأنبياء الله -تعالى- في افتقارهم إلى الله دون مَن سواه، وألا يسأل الناس شيئًا، وأن يستغني بالله عمَن سواه؛ فقد مدح الله موسى -عليه السلام- بأنه قال: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص:24)، فأعلن افتقاره إلى الله وحده، مع ما كان فيه -عليه السلام- مِن ضيق الحال، والحاجة إلى المأوى، والطعام والشراب، والسكن والراحة، ولكنه مع ذلك لم يَسأل الناس شيئًا، ولم يطلب جزاءً أو أجرًا مِن المرأتين، بل توجه بكليته إلى ربه، وأنزل حاجته به دون غيره.

وقد كثرت استعاذة النبي -عليه السلام- مِن الفقر، والفقر المستعاذ منه هو: الافتقار إلى الخلق؛ بأن يترك العبد الافتقار إلى الله، ويفتقر إلى العباد.

وأما قلة ذات اليد، والفقر الذي هو ضيق الحال؛ فليس هذا هو المستعاذ منه؛ إلا إذا كان سببًا لفتنة الإنسان، بل إن قلة ذات اليد إذا كانت مع الكفاف والقناعة؛ كانت فلاحًا وخيرًا للإنسان: قال -عليه الصلاة والسلام-: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ) (رواه مسلم)، وإنما يستعاذ مِن الفقر الذي يجعل الإنسان يتكفف الناس، ويفتقر إليهم دون مولاه -سبحانه-.

ويتحقق افتقار العبد إلى ربه بأمرين متلازمين:

الأول: إدراك عظمة الخالق وجبروته.

والثاني: إدراك ضعف المخلوق وعجزه.

نسأل الله أن يرزقنا لذة الافتقار إليه، ودوام الإنابة والانكسار والذل بيْن يديه.