إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 01 نوفمبر 2017 - 12 صفر 1439هـ

أنا وحدي هنا!

كتبه/ عصام محمود زهران

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

"أنا وحدي هنا"... إنها الكلمة التي كان يتردد صداها في قلب هاجر -عليها السلام-؛ فألم الوحدة والاغتراب لا يستطيع كاتب أن يعبِّر عنه!

لقد تركها إبراهيم -عليه السلام- في هذا المكان الموحش الذي لا زرع فيه ولا ماء.

والسؤال الذي يَطرح نفسه: كم ليلة قضتها في هذا الظلام بيْن الحيات والعقارب والسباع؟!

كيف كانت تنام في هذا العراء؟!

إن رأفة الله بها تتجلى في سعينا بيْن الصفا والمروة، فكان هذا السعي جبرانًا لخاطرها، وجعل الله موقفها التاريخي لا يمر سدى، بل جعله منسكًا، ورفع ذكرها، وجعل الأمة الإسلامية كلها تملأ وحدتها حتى بعد وفاتها، وتذكر ثباتها في محنتها، وطاعتها لزوجها.

وهذا نبيُّ الله يوسف -عليه السلام- وابتلاءاته المتكرِّرة، وغُربته التي امتدَّت أمدًا طويلًا مِن عُمره؛ حتى أُودِع السجن، فأصبَح غريبًا في المكان، بعيدًا عن وطنه وأبيه، وقد حُرِم حُريَّته، وغريبًا في الزمان؛ حيث يرى مَن حوله مِن البشر يَدينون بغير دين الحقِّ، ويرى ما عليه أهل الجاهلية في ذلك العصر مِن انحطاطٍ في الفكر والمُعتقد، والخُلق والسلوك.

ولقد عاشَ صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- معنى الاغتراب المكاني في هجرة الحبشة، وفي الهجرة إلى المدينة، تاركين أوطانَهم وديارَهم وأموالَهم، وكلَّ ما يَملِكون في سبيل عقيدتهم ونُصرة لدينهم، كما عاشوا الاغتراب الزماني وهم يواجِهون الواقع الجاهلي المُسيطر على العالم مِن حولهم، وينظرون للعالم مِن حولهم وقد غَرِق في ليلٍ طويلٍ مِن الظلام والضلال، فيَشعرون بكلِّ معاني الغربة وهم قلَّة مُستضعفة، يَخافون أن يتَخطَّفهم الناس.

وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضع منحة، ووسامًا لكل مغترب، فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: مَاتَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ: (يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ)، قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ، قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ) (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني).