إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 16 أكتوبر 2017 - 26 محرم 1439هـ

أقراص مهدئة... للضمير! (2)

كتبه/ علاء عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أن الإنسان منا كثيرًا ما يمارس -لا شعوريًّا- خداعًا لذاته باتباع بعض الحيل النفسية -كالتبرير الواهي مثلًا-؛ لينجو مِن وخز الضمير، وهذا التبرير الواهي الذي يعلم الواحد منا في قرارة نفسه -إذا صدق معها- أنه ليس حقيقيًّا؛ مِن شأنه أنه يرمم الصورة الذاتية التي اهتزتْ، ويريح الضمير الذاتي مؤقتًا!

كما أن الإنسان بهذه الحيل ربما يتخلص مِن لوم الآخرين، ويواجِه الضغط الاجتماعي أو يخففه، ولكن في كل الأحوال يحصد الإنسان -آجلًا أو عاجلًا- ما زرع، ويتألم حسرة على تقصيره الذي تغافل عنه بحججٍ شتى يغرزها غرزًا في قناعاته حتى يصدِّق نفسه.

وهذه الحيل النفسية نستخدمها جميعًا على اختلاف مراتبنا العلمية والثقافية والعمرية: فهذا مثلًا داعية يقصِّر في طلب العلم، وتحرير المسائل بحجة الانشغال بهداية الناس والاحتكاك بهم، وهذا طالب علم لا يؤدي زكاة علمه، ولا ينتفع منه الناس بقليلٍ ولا كثيرٍ بحجة الانشغال بالبناء العلمي الذاتي، بل ربما تراه يسلق بألسنةٍ حدادٍ مَن يتصدرون لتعليم الناس الواجبات الدينية أو يتعاونون معًا لإقامة ما يستطيعون مِن فروض الكفاية ويحتقر فعلهم!

وذاك رب أسرة ينفث عن غضبه على أولاده بصب أنواع العقوبات العنيفة عليهم، وهم لا يزالون صغارًا كأفراخ العش!

يفعل ذلك بحجة أنه يربيهم ويقومهم، وهذا الابن الذي يعق أبويه ويتحجج بأنهما قسيا عليه في صغره!

وهذا الشاب يبرر لنفسه التحرش بالفتيات بحجة أنهن متبرجاتٍ، وقد أمره الله -سبحانه وتعالى- بغض البصر وكف الأذى، ولزوم الأدب ولو تبرجت النساء جميعًا.

والمتبرجة -تحت مسمى محجبة- تبرر لنفسها ذلك؛ لأنها تحب أن تكون جميلة، وهي ليستْ أقل مِن زميلاتها، وتخشى في الوقت نفسه شبح العنوسة، فتوزع مِن أنوثتها على المارة كلَّ يوم عيناتٍ مجانيةٍ مِن أجل الترويج لنفسها في سوق الفتيات في ظل منافساتٍ مستعرة!

ومِن أجل المزيد مِن الاحتيال اخترعت المجتمعات لنفسها حججًا جاهزة، وتبريرات معلبة، سهلة -بل متعددة- الاستخدامات، وهي في الواقع طبقات متراكمة مِن المخالفات الشرعية، ممتزجة بالمغالطات المنطقية، والتبريرات التي تبدو في ظاهرها مقنعة، خاصة لو صادفتْ في النفوس هوى!

وهذه المخالفات والمغالطات تمتْ صياغتها على هيئةٍ أمثلة شعبية، وكلمات مأثورة، ذات وقع ساحر على النفوس، تنتقل هذه الأمثال مِن جيلٍ لجيلٍ على وجه الاستحسان، حتى إنك بسبب شهرتها، وكون الناس قد ارتضوها حَكَمًا يحتجون به ليل نهار؛ لا تكاد تجد شخصًا يتفكر في صحتها أو يجرؤ على معارضتها!

وهذا ما نستكمله في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.