إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 07 أكتوبر 2017 - 17 محرم 1439هـ

العلم والإيمان (1)

كتبه/ هشام عزمي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بدأ الوحي على نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- بآية: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1)، فكان أول تعريف بالله -عز وجل- لعبده ونبيه هو وصفه بأنه مَن خلق الخلق؛ لأن الخلق دليل على الخالق، يعرفه ويقر به كل أحد.

قال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-: "صفة الخلق هي أقرب الصفات إلى معنى الربوبية؛ ولأنها أجمع الصفات للتعريف بالله -تعالى- لخلقه" (أضواء البيان).

وقال البيضاوي -رحمه الله-: "لما كان أول الواجبات معرفة الله -سبحانه وتعالى-، نزل أولًا ما يدل على وجوده، وفرط قدرته، وكمال حكمته" (تفسير البيضاوي).

فصفة الخلق هي أبرز الصفات التي يعرفها الخلق عن الله -عز وجل-، وما ذلك إلا لما استقر في العقول والفِطَر أن الخلق يدل على الخالق؛ فأنتَ ترى أن أول آية وصلت السماء بالأرض في أول سورة نزلتْ مِن القرآن تذكر الله -تبارك وتعالى- بالدليل على وجوده، وهو خلقه الذي خلقهم، فلم تصفه باسم الله أو بالذي يحيي ويميت أو غير ذلك، بل تصفه بـ(الَّذِي خَلَقَ)؛ لما استقر في العقول والأذهان أن الخلق يدل على الخالق، وأن كل مخلوق لا بد له مِن خالق.

فهذا المبدأ العقلي الفطري "دلالة الخلق على الخالق": أقره القرآن، وأقام عليه الكثير مِن المعاني الإدراكية والإيمانية مِن وجوب توحيده -تبارك وتعالى- وعبادته، وحينما أمر الله عباده بالتقوى أمرهم بها؛ لأنه ربهم الذي خلقهم، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء) (النساء:1).

وحينما دعا عباده إلى اتباع أمره وشرعه دعاهم إلى ذلك؛ لأنه هو الذي خلقهم، قال الله -تعالى-: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف:54)، ومثله قوله -تعالى-: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) (يونس:3).

قال القرطبي -رحمه الله-: "(أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ): أنها مخلوقاته، فتستدلوا بها عليه".

وإذا تأملتَ -مثلًا- قوله -تعالى-: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:190-191)؛ تجد التأكيد البالغ على أن التفكر في خلق الله يوصل إلى معرفة الله، وصدق ما أتى به الأنبياء مِن الوعيد للكافرين.

قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً): بل خلقته دليلًا عليك، وعلى صدق ما أتت به أنبياؤك".

فالمؤمنون يتفكرون، وكما قال الطبري -رحمه الله-: "فيعتبرون بصنعة الخالق، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا مَن ليس كمثله شيء، ومَن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، ومَن هو على كل شيءٍ قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة".

ولأن الخلق هو أوضح دلالة على الله وأبرز برهان على ربوبيته كان الأنبياء -عليهم السلام- يعرِّفون الناس ربهم بدلالة الخلق، فالله -جلَّ وعلا- هو الذي خلق؛ فهذا إبراهيم -عليه السلام- يعرّف قومه بالله: (قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) (الأنبياء:56)، وهذا موسى -عليه السلام- يجيب عن سؤال فرعون: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه:49-50).

ويعلـِّق سيد قطب -رحمه الله- بقوله: "وحين يجول الإنسان ببصره وبصيرته -في حدود ما يطيق- في جنبات هذا الوجود الكبير، تتجلى له آثار قدرة الله وإبداعه وتدبيره في كل كائنٍ صغير أو كبير، مِن الذرة المفردة إلى أضخم الأجسام، ومِن الخلية الواحدة إلى أرقى أشكال الحياة في الإنسان!" (في ظلال القرآن).

"فمَن أراد الاستدلال على ربوبيته -تعالى-؛ فلينظر في الخلق، ومَن أراد برهان الوحدانية والألوهية، ومَن أراد معرفة عظمة الله وقدرته وكمال صفاته؛ فليجل بناظريه متأملًا في خلق الله حواليه، ومَن أراد أن يَعلم فقره وحاجته إلى الله الغني؛ فليتأمل في صفحة الكون ليعلم حاجة المخلوقات إلى خالقها -سبحانه-، ومَن شك في البعث والإحياء بعد الإماتة؛ ففي الخلق ما يزيل شكه أو يزيد يقينه" (أسماء الله الحسنى الدالة على الخلق والإبداع وإعادة الخلق).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "ومِن طرق إثبات الصفات دلالة الصنعة عليها، فإن المخلوق يدل على وجود خالقه، وعلى حياته، وعلى قدرته، وعلى علمه ومشيئته، فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزامًا ضروريًّا، وما فيه مِن الإتقان والإحكام ووقوعه على أكمل الوجوه؛ يدل على حكمة فاعله وعنايته، وما فيه مِن الإحسان والنفع ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق؛ يدل على رحمة خالقه وإحسانه وجوده... فلستَ ترى شيئًا أدل على شيءٍ مِن دلالة المخلوقات على صفات خالقها، ونعوت كماله وحقائق أسمائه، وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها؛ فهي تدل عقلًا وحسًّا وفطرةً ونظرًا واعتبارًا" (مدارج السالكين).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.