إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 21 سبتمبر 2017 - 1 محرم 1439هـ

مِن أخلاق الكبار... ترك بعض الاختيار خشية التلبيس على بعض أهل الإسلام

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد يتبنى البعض موقفًا أو قولًا فقهيًّا ولا يلتفت إلى أنه وإن ساغ العمل به عند جماعةٍ مِن العلماء؛ فقد منع منه آخرون، فكان الورع يقتضي أن يتشبث بما فيه السلامة له في دينه ودنياه، وبما يقطع عنه ألسنة المخالفين أو غير المطلعين؛ فيكون قد صان عرضه، وصان إخوانه عن الوقوع فيه بالغيبة أو المذمة، ونحو ذلك.

وقد يَغفل البعض عن أن القول أو العمل إن كان مفضولًا، فقد فات المرء خيرًا كثيرًا بترك الفاضل والإقبال على المفضول.

بل قد جاء عن رسول الله ترك بعض الاختيار مِن الفاضل والأكمل مِن الأعمال، مخافة أن يقع تلبيس على بعض أهل الإسلام؛ فكيف مع ذلك يتشبث المرء بالمباح وإن أدى إلى فتنة بيْن الخواص أو العوام؟!

وقد لا يلتفت مَن هذا حاله إلى أن فعله واختياره قد لا يستوعبه كثيرٌ مِن مخالطيه ومشاهديه ومتابعيه، فينطلقون مِن حيث انتهى، ولا يتسع المقام له أن يوضح ويبيِّن لهم حقيقة الأمر ومبناه؛ فيكون تسبب في وقوعهم فيما لا تحمد عقباه.

ورغم انتشار الصحوة الإسلامية والمناهج العلمية إلا أننا ما زلنا نسمع كثيرًا مِن هؤلاء يردد (في مقام الاحتجاج وتسويغ ما هو عليه) مقولة: (في المسألة خلاف) أو يزيد تقوية لموقفه ورأيه الذي يتبناه -أو يهواه-: (الخلاف في المسألة سائغ ومقبول)؛ فيستدل على مخالفه أو مَن يوجه النصح إليه بأن الخلاف في المسألة سائغ ومقبول، وكأن اختلاف العلماء حجة بذاته عند النزاع، وليس كذلك (ولو كان الخلاف سائغًا مقبولًا)؛ وقد نـُقل الإجماع على بطلان ذلك.

قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله-: "الاختلاف ليس بحجةٍ عند أحدٍ علمته مِن فقهاء الأمة؛ إلا مَن لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله".

وقد بوَّب البخاري -رحمه الله- في صحيحه: "باب: مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ"، ثم ذكر بسنده عن عائشة أنها قالتْ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَا عَائِشَةُ لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ).

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "وفي الحديث معنى ما ترجم له؛ لأن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة جدًّا، فخشي -صلى الله عليه وسلم- أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويُستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا"‏.‏