إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 14 سبتمبر 2017 - 23 ذو الحجة 1438هـ

(وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي  

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد امتن الله -تبارك وتعالى- على كثيرٍ مِن المسلمين -بفضله ورحمته- في أيام الازدياد في الخير والبر -أيام العشر مِن ذي الحجة وأيام التشريق المعدودات-؛ فراجعوا دينهم، وأقبلوا على طاعة ربهم، وهذه نعمة عظيمة تستوجب الشكر لله -تعالى-؛ إذ لا نعمة أعظم بعد الهداية إلى الإسلام واتباع سنة خير الأنام -صلى الله عليه وسلم- مِن التوفيق للطاعات، والإقبال على رب الأرض والسماوات.

وهذا محض فضل وإحسان مِن الله -سبحانه-، قال -تعالى-: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (النساء:79).

وقال -تعالى-: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (النحل:53)، فهذا يدخل فيه نعم الدين والدنيا.

فإن النعم "وأعظمها نعمة الإيمان والطاعة" كلها مِن الله -عز وجل-: قال الله -تعالى-: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور:21)، وقال الله -تعالى- عن أهل الجنة: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) (الأعراف:43)، وقال -تعالى-: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات:7)؛ فهذا الحب للإيمان والخير والطاعات، وهذه الكراهة للكفر والفسوق والعصيان، الله هو الذي يمنّ بهما على مَن يشاء مِن عباده (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحجرات:8).

وعن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ وَهْوَ يَقُولُ: (وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا، وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا) (رواه البخاري)

فالعبد لا خروج له عن نعمة الله وفضله، ومنته وإحسانه -سبحانه- طرفة عين أبدًا؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ولهذا ذمَّ الله -سبحانه- مَن أتاه شيئًا مِن نعمه، فقال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ)، وقال ردًّا عليه: (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر:49).

والكثير مِن الناس لا يَشكر إلا نعم الدنيا، وإذا وفق لطاعة الله، يغفل عن أن هذا الفضل مِن الله، ويغفل عن أن نعم الدين والآخرة هي مِن أعظم النعم، وأنها أولى بالشكر؛ فحقها أن تشكر؛ لا أن تجحد وتُكفر!

ولا أن يغتر بها صاحبها ويركن إلى عمله وسعيه، ويظن أنه قد قدَّم لنفسه بما لو زل وأساء فيما استقبل مِن أيام دهره؛ لما ضره شيء بعد ذلك؛ فإن أكثر ما يُهلك الصالحين الاغترار بالطاعات، وأكثر ما يُهلك المقصِّرين احتقار المعاصي!

فعلينا أن نشكر نعمة الإيمان والتوفيق إلى طاعة الله -تعالى-، فإن هذا يتبعه مزيد الخير والفضل مِن الله، قال -عز وجل-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7)

وعلينا أن ننسب الفضل إلى الله -تعالى-، ونطلب منه دوام العون على طاعته، وهذه وصية النبي -صلى الله عليه وسلم-: فعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَ بِيَدِهِ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ). فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أُحِبُّكَ. قَالَ: (أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

وسئلت أم سلمة -رضي الله عنها-: مَا كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِأَكْثَرِ دُعَائِكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ: (يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).  

فاللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك.

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران:8).