إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 06 سبتمبر 2017 - 15 ذو الحجة 1438هـ

الحق... وأصحاب الهوى!

كتبه/ خالد آل رحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

"فقد جاء رجلٌ مِن العراق إلى الإمام مالك -رحمه الله- يحمل معه أربعين مسألة، فسأله عنها فقال الإمام مالك: لا أدري!

فقال الرجل: كيف أعود؟ وماذا أقول للناس؟!  

قال الإمام مالك: قل لهم إن مالكًا قال لا أدري!

فخرج الرجل، فقال طلاب العلم عند مالك: يا إمام، لماذا لم تجبه؟!

فقال: لقد أتاني بمسائل ليست في بلدي وأخاف مِن الله يوم القيامة أن يسألني: لماذا أفتيتَ بكذا... لبلاد كذا... !".

والشاهد كلمة الإمام -رحمه الله-: "لا أدري!".

فعندما تطالع واقع الأمة الآن وهو يتصدره السفهاء الرويبضة الذين يفتون ويكذبون، ويبنون أحكامًا باطلة، ويخوِّنون العلماء والدعاة، ويتكلمون في نوازل لو كانت على عهد الصحابة -رضي الله عنهم- لجُمع لها أهل بدر والحديبية مِن عظمها وخطورتها، ولكنهم يتوقفون في كل شيء؛ إلا في دين الله -تعالى-!

ألا يعلم أولئك أنهم مسئولون عن كل ما يقولون، بل وكل ما ترتب على أقوالهم مِن سفكٍ للدماء، وخيانة الأمانة، والطعن في العلماء؛ وما دفعهم لذلك إلا أهواءهم وتقليدهم الأعمى؟!

كما ذكر ابن القيم -رحمه الله- في مؤلفه الرائع "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، والذي قال في مقدمته متحدثًا عن الجهلة والمتعصبة والمقلدة بغير علم: "تَاللَّهِ إنَّهَا فِتْنَةٌ عَمَّتْ فَأَعْمَتْ، وَرَمَتْ الْقُلُوبَ فَأَصْمَتْ، رَبَا عَلَيْهَا الصَّغِيرُ، وَهَرِمَ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَاُتُّخِذَ لِأَجْلِهَا الْقُرْآنُ مَهْجُورًا، وَكَانَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، وَلَمَّا عَمَّتْ بِهَا الْبَلِيَّةُ، وَعَظُمَتْ بِسَبَبِهَا الرَّزِيَّةُ، بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُ أَكْثَرُ النَّاسِ سِوَاهَا، وَلَا يُعِدُّونَ الْعِلْمَ إلَّا إيَّاهَا، فَطَالِبُ الْحَقِّ مِنْ مَظَانِّهِ لَدَيْهِمْ مَفْتُونٌ، وَمُؤْثِرُهُ عَلَى مَا سِوَاهُ عِنْدَهُمْ مَغْبُونٌ، نَصَبُوا لِمَنْ خَالَفَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ الْحَبَائِلَ، وَبَغَوْا لَهُ الْغَوَائِلَ، وَرَمَوْهُ عَنْ قَوْسِ الْجَهْلِ وَالْبَغْيِ وَالْعِنَادِ، وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ: إنَّا نَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يَظْهَرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ

فَحَقِيقٌ بِمَنْ لِنَفْسِهِ عِنْدَهُ قَدْرٌ وَقِيمَةٌ، أَلَا يَلْتَفِتَ إلَى هَؤُلَاءِ، وَلَا يَرْضَى لَهَا بِمَا لَدَيْهِمْ، وَإِذَا رُفِعَ لَهُ عِلْمُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ شَمَّرَ إلَيْهِ وَلَمْ يَحْبِسْ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، فَمَا هِيَ إلَّا سَاعَةٌ حَتَّى يُبَعْثَرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَيُحَصَّلُ مَا فِي الصُّدُورِ، وَتَتَسَاوَى أَقْدَامُ الْخَلَائِقِ فِي الْقِيَامِ لِلَّهِ، وَيَنْظُرُ كُلُّ عَبْدٍ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، وَيَقَعُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمُحِقِّينَ وَالْمُبْطِلِينَ، وَيَعْلَمُ الْمُعْرِضُونَ عَنْ كِتَابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ" (انتهى).

ولذلك لما أرسل الله -تعالى- إلى ثمود صالحًا -عليه السلام-، ودعاهم للإسلام؛ اعترفوا بعقله: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (هود:62).

قال البقاعي -رحمه الله-: "لما دعاهم إلى الحق، ونصب لهم عليه الأدلة ما هم معترفون به، وذكرهم نعمه مومئًا إلى التحذير مِن نقمه، وسهل طريق الوصول إليه؛ ما كان جوابهم إلا أن سلخوه من طور البشرية، فكان جوابهم أن (قَالُوا) أي ثمود (يَا صَالِحُ) نادوه باسمه قلة أدب منهم وجفاء (قَدْ كُنتَ فِينَا) أي فيما بيننا إذا تذاكرنا أمرك (مَرْجُوًّا) أي في حيز مَن يصح أن يُرجى أن يكون فيه خير وسؤدد، ورشد وصلاح، (قَبْلَ هَذَا) أي الذي دعوتنا إليه؛ فأما بعد هذا فانسلخت مِن هذا العداد" (نظم الدرر بتصرف يسير).

قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "قد كنا نرجوك، ونؤمِّل فيك العقل والنفع، وهذا شهادة منهم لنبيهم صالح أنه ما زال معروفًا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأنه مِن خيار قومه، ولكنه لما جاءهم بهذا الأمر الذي لا يوافق أهواءهم الفاسدة، قالوا هذه المقالة التي مضمونها أنك قد كنتَ كاملًا، والآن أخلفت ظننا فيك، وصرت بحالة لا يرجى منكَ خير!" (تيسير الكريم الرحمن).

 فهل لأولئك مِن عودةٍ لكتاب الله وسُنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ للخروج مِن نفق الجهالة، والتعصب المقيت، والتقليد الأعمى، واتباع الهوى؟!