إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 31 أغسطس 2017 - 9 ذو الحجة 1438هـ

(هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـ"الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد".

لله الحمد على ما هدانا، وعلى ما أنعم به علينا مِن أعظم نعمةٍ، بدونها كل النعم تتحول إلى نقمٍ يَشقى الإنسان بدونها ويتعس في دنياه وأخراه، الحمد لله على نعمة الإسلام؛ هذا الدين الخالص الذي هو دين الأنبياء جميعًا؛ دين أبي الخلق آدم -عليه السلام- أول البشرية، ودين نوحٍ، ودين إبراهيم، ودين موسى، ودين عيسى، ودين محمدٍ -عليهم صلوات الله وسلامه-.

قال الله -تعالى-: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) (آل عمران:19)، فجعل -تعالى- "الإسلام"؛ هذا الاسم الشريف المكرَّم عنده، عَلَمًا على الدين المقبول الذي لا يَقبل الله -عز وجل- دينًا سواه، كما قال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85).

- وأوجب الله -عز وجل- على جميع خلقه أن يسلموا له -سبحانه وتعالى-: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (آل عمران:83)، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102).

- فليس هناك إلا دين الإسلام الذي يقبله الله -عز وجل-، بأن يسلم الإنسان وجهته وعبادته لله وحده لا شريك له، وأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي دعا الناس إلى هذه الكلمة مجدِّدًا دعوة الأنبياء جميعًا؛ فإنهم دعوا إلى هذه الكلمة كلهم، قال -سبحانه وتعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25)، فكلهم بدأوا بالدعوة إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى-، كما قال الله عن أنبيائه جميعًا: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل:36).

وقال الله -سبحانه وتعالى-: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78).

(هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ): فالله -تعالى- سماكم المسلمين مِن قبْل هذا القرآن، مِن قبْل أن تولدوا وتوجدوا. (وَفِي هَذَا) أي: في هذا القرآن سماكم المسلمين (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).

فمِن نعم الله العظيمة علينا: أن جعلنا موحدين لا نشرك به شيئًا، وجعلنا نقول: "لا إله إلا الله" بسهولةٍ ورفق، فإن مَن وُلد في الإسلام، فقد أتم الله -عز وجل- عليه نعمته، وجعله مِن أول نشأته على الهداية والفطرة المستقيمة؛ فهذه نعمة لا يقدرها كثير مِن المسلمين، ولا يرون فضل الله -عز وجل- العظيم عليهم في ذلك؛ لأنهم لم يقارنوا بينهم وبيْن غيرهم ممَن لم يُؤتَ رشده، ولم يُهدَ إلى الصراط المستقيم في أول نشأته.

فله الحمد -سبحانه- على ذلك.

- ومِن نعمه علينا بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (آل عمران:164).

فله الحمد على ذلك.

- فلا يكون إسلام إلا باتباع محمد -عليه الصلاة والسلام- كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (متفق عليه)، وهذا أمر لا يختلف فيه أهل الإسلام والإيمان، في أنه لا يُقبل صرفٌ ولا عدلٌ ممن كذَّب النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو ممن أبى متابعته ورضي بدين غير ما جاء به مِن دين الإسلام.

- والدعوات الباطلة التي تنادي بأن الإنسان حرٌ في أن يأتي ما يشتهي، ويترك ما يشتهي، ويفعل ما يريد، ويترك ما يريد دون التزام بالشرع، حتى لو أقر بوجود الله؛ هذه الدعوات منافية لأصل التوحيد والإيمان، فإن الله لا يقبل الله مِن العباد إلا أن يسلموا له -سبحانه وتعالى-، ويستسلموا لأوامره الشرعية، ولا يقابلوها بشبهاتٍ أو شهواتٍ، ولا يعارضوها بتقليدٍ أعمى أو بمصلحةٍ أو سياسةٍ أو غير ذلك.

إنما الأمر أن يَقبلَ الإنسانُ شرعَ الله -سبحانه وتعالى- كاملًا، ورفضه لأي أمرٍ مِن أوامر الله إباءً واستكبارًا قدح في أصل الدين، وما كان كفر إبليس إلا بترك هذا الاستسلام، فقد أبى واستكبر وكان مِن الكافرين، ولا تنفعه طاعته السابقة كما لم تنفع إبليس عبادته قبْل ذلك؛ لأنه إذا ردَّ أمر الله -عز وجل- في أمرٍ واحدٍ فقد نفض يديه مِن معنى العبودية، ولا يبقى للإسلام معنى، ولا يبقى للدين معنى مع انتقاض معنى العبودية لله -سبحانه وتعالى-؛ ولذا كانت دعوة أهل الإسلام دائمًا إلى الانقياد لله -سبحانه وتعالى-، وتوجيه القلوب إلى وجهةٍ واحدةٍ، هي مرضاة الله -عز وجل-.

وأما مَن قَبِل أمرَ الله، ولكنه خالف وعصى، وهو مقر على نفسه بالذنب والمعصية، وهو يقر أنه مستحق للعقاب لمخالفته أمر الله -عز وجل-؛ فهذا نقص إسلامه وإيمانه، لكنه لم ينتفِ بالكلية؛ وذلك لأن أصل معنى الإسلام مِن الانقياد والقبول بشرع الله موجود في قلبه، وأما الكفر والردة عن الدين فبالإباء أو الاستكبار بترك القبول والانقياد القلبي الذي لا يَقبل الله -عز وجل- مِن أحدٍ سواه.

- فالإسلام يحمل معنى الخضوع والانقياد والاستسلام لأوامر الله -عز وجل-، كما قال -عز وجل-: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65)، وقال -سبحانه وتعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا) (الأحزاب:36)، وهذا الضلال في ترك الاستسلام والانقياد لأوامر الله -عز وجل- منافٍ لدين الإسلام، نعوذ بالله مِن ذلك.

- والإسلام يقتضي استسلامًا وانقيادًا وخضوعًا، وذلًا ومتابعة لأمر الله -سبحانه وتعالى-؛ ولذا كان مَن أبى أن يَقبل ما جاء به النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الله -سبحانه وتعالى- كان رادًّا لأوامر الله، متكبرًا على شرع الله -سبحانه وتعالى-، وكان ذلك مناقضة للإسلام؛ ولذا نجد أن العبد المؤمن يرى نفسه مملوكًا لله -سبحانه وتعالى-، تحت شرعه وأمره، له -سبحانه وتعالى- عليه الأمر كما له الخلق، فكما أنه تفرد بالخلق فله الأمر: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف:54).

- والعبد بحاجة إلى أن يؤكِّد معنى الاستسلام لله -سبحانه وتعالى- في نفسه كل يوم مرات ومرات، كما أمر الله -عز وجل-: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163).

فحاجتك أيها المؤمن إلى الاستسلام والخضوع لله، مثل حاجتك إلى الطعام والشراب، وحاجتك إلى أن تجدد هذا المعنى في نفسك حاجة شديدة؛ لأن الإنسان تأخذه شهوات الدنيا بعيدًا عن القضية الأولى في حياته، وهي أن يُسلم لله وينقاد له.

فالحمد لله على نعمة الإيمان، والاستسلام والخضوع لله -عز وجل-.

- والحمد لله على نعمة إنزال القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء:9).

- والحمد لله على نعمة الهداية بالقرآن، وإحياء القلوب به بعد موتها، وإخراجها مِن الظلمات إلى النور، كما أنه -سبحانه وتعالى- يغني قلوب عباده بما أنزل في القرآن مِن معاني الإيمان ليستغنوا عما سواه، ومِن فضل الله عليهم أن أنزل عليهم هذا الكتاب الذي هو شفاء ورحمة للمؤمنين، قال الله -تعالى-: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء:82)

- فالله -تعالى- اصطفى لنا "دين الإسلام" حتى نسعد به في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة:132).

الله اصطفى لكم الدين يا أتباع النبي الأمي محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ هذا الدين الذي أخبر الله -سبحانه وتعالى- عن بقائه واستمراره؛ فيأسَ الكفار مِن إزالته وتحويله عن الظهور.

- في مثل هذه الأيام المباركة منذ نحو "14 قرنًا" مِن الزمان، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- واقف بـ"عرفة"؛ نزل عليه قول الله -سبحانه وتعالى-: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3).

- وهذه أيضًا نعمة هي مِن أجلِّ نعم الله علينا؛ نعمة يأس الكفار مِن هذا الدين، يأسوا مِن أن يضمحل بعد ما كان الظلام يعم الأرض، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) (رواه مسلم). (إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ): يعني قبْل بعثته -صلى الله عليه وسلم-.

فالإسلام بدأ غريبًا في آحاد الناس، وبدأ يستقبل هذا النور ويستجيب لهذا السراج المنير آحاد مِن القبائل؛ كانوا غرباء في وسط قبائلهم؛ فالأرض كلها على عقيدةٍ فاسدة، فكان الناس يعبدون الأوثان، ويعبدون الأحبار والرهبان، ويعبدون الصلبان، ويعبدون كل ما اشتهوا مِن دون الله؛ يعبدون أهواءهم، ويعبدون المال، ويعبدون الشهوة والشهرة؛ فجاء الإسلام بالتوحيد الخالص، جاء بتجديد ملة إبراهيم -عليه السلام-، جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحنيفية السمحة.

بدأ الإسلام غريبًا ثم نصر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وهزم الأحزاب وحده، فإن الكفار كما يتحزبون اليوم على الإسلام تحزبوا في الماضي عليه واجتمعوا، ولكن الله -سبحانه وتعالى- وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده؛ قالها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في "حجة الوداع"، قالها على جبل الصفا، الجبل الذي وقف عليه يوم أن قام يدعوهم إلى الله ويذكرهم بيوم القيامة، ويقول: (أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟)، قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: (فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: "تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟!" (متفق عليه).

فهكذا كان الإسلام في أول الأمر، ثم في يوم "حجة الوداع" كان مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مد البصر ما بيْن راكبٍ وماشٍ، عن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك، وخلفه مثل ذلك، وامتلأت الأرض بالنور.

وانطلق الإسلام مِن هذه البقاع المطهرة المقدسة، مِن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وانطلق يأس الكفار معه؛ فلا وسيلة لديهم للقضاء عليه؛ فلقد جرَّب أعداء الإسلام مراتٍ عديدة أن يمحوا اسم الإسلام بالكلية! وكم مِن مرات قتلوا فيها مِن المسلمين الأعداد الهائلة؛ لمجرد انتسابهم فقط إلى هذا الدين، وربما كان بعضهم لا يعلمون منه إلا كلمة (لا إله إلا الله).

ومع ذلك فشلوا في ذلك؛ ولذلك فهم يحاولون تحويل هذا الدين على ما يوافقهم، ويحاولون تغيير تصورات المسلمين عن دينهم حتى يوافق ما يريده الكفار!

- فكانت هذه الفتن والمحن المتتابعة المتتالية لحكمةٍ بالغةٍ عند الله -عز وجل-؛ ليعود الإسلام غريبًا كما بدأ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ) (رواه مسلم)، وهذا الغريب الذي يلتزم بالدين في وسط الفتن كمهاجرٍ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) (رواه مسلم).

- والله -تعالى- ما وعد بظهور اسم الإسلام فقط، بل وعد -سبحانه- بظهور الهدى ودين الحق الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33)

فهذه بشارة عظيمة لأهل الإسلام "ورثة الأنبياء جميعًا": أن هذا الدين هو الذي حفظ الله به دين موسى ودين عيسى ودين إبراهيم -عليهم صلوات الله وسلامه- بعد أن كادت هذه الملة أن تضمحل مِن الأرض كلها، ومَن تمسك بها كان فذًّا لا نظير له.

وهي بشارة باقية لأهل الإسلام إذ على مرِّ الزمان ينطلق الإسلام لينتشر في المشارق والمغارب؛ مصداق قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ) (رواه مسلم).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ, وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ, بِعِزِّ عَزِيزٍ, أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ, عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ, وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

فالله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.