إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 29 أغسطس 2017 - 7 ذو الحجة 1438هـ

أيام مِن ذهب!

كتبه/ أحمد حمدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد مرَّ يومان مِن أعظم أيام الدنيا مِن العشر الأول مِن ذي الحجة التي عظَّمها الله -تعالى-، وجعل لها حرمة، وجعل العمل الصالح فيها أحب إليه مِن غيرها، وأقسم بها في "سورة الفجر".

فهذه أيام يحبها الله.

فماذا فعلت فيها أيها العبد المسلم، وقد حُرم كثيرٌ منا مِن حج بيت الله الحرام؟!

وما حال قلبك مع الله، والقرآن، والقيام والذكر؟

هل تعاملتَ مع هذه الأيام كبقية أيام العام مِن تضييع الأوقات في فضول المباحات، ومواقع التواصل، أو اللهو واللعب والمصايف أم أن الله -عز وجل- رأى منك اجتهادًا في العبادة، كما كنتَ تجتهد في رمضان؛ فإن فضل هذه الأيام لا يقل عن فضل أيام شهر رمضان، بل يزيد؟!

فإن كنتَ قصَّرت في اليوميين السابقين؛ فلك مستعتب فيما بقي مِن العشر؛ فلترِ الله منك خيرًا.

وهناك أعمال يعدل ثوابها ثواب الحج والعمرة، مثل: الذهاب إلى دروس العلم، والتطهر في البيت والذهاب إلى الصلوات المكتوبة، وكذلك صلاة الصبح في جماعة ثم الجلوس إلى شروق الشمس للذكر ثم صلاة ركعتي الضحى.

واعلم أخي الحبيب: أن نهاية هذه الأيام هي أفضلها، فمِن آخرها "يوم عرفة": اليوم التاسع مِن ذي الحجة؛ صيامه يكفـِّر ذنوب سنتين "سنة ماضية وسنة مستقبلة"، وكذلك خير الدعاء هو دعاء يوم عرفة، وأفضل الذكر هو: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، وما مِن يوم أكثر مِن أن يعتق الله فيه الرقاب مِن الناس مِن يوم عرفة؛ فهو يوم مغفرة الذنوب، ويوم سكب العبرات، ويوم يباهي الله الملائكة بعباده الصالحين.

وكذلك يوم النحر "يوم الحج الأكبر"، يوم عيد الأضحى، يوم العاشر مِن ذي الحجة: وهو أفضل أيام الدنيا، ففيه تهراق دماء الهدي والأضاحي لله رب العالمين، فهذه الأيام المباركة يواسَى فيها الفقراء، وفيها التكافل والتراحم والتعاطف بيْن المسلمين، وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران، والتوسعة على الأهل والأحباب، وتوزع فيها اللحوم والصدقات على الفقراء؛ لإدخال السرور عليهم، وإن مِن أحب الأعمال إلى الله -تعالى- سرور تدخله على مسلم.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني). و(يَوْمُ الْقَرِّ) هو: أول أيام التشريق، وأول يوم للاستقرار والمبيت بمنى.

فيا هل ترى تأتي علينا عشر أخرى ونحن على قيد الحياة في أعوامٍ قادمة لنعمل فيها الصالحات؟!

فلنجتهد قبْل أن نندم... !

فكم مِن أحبابٍ وأصحابٍ وإخوةٍ، كانوا معنا في العام الماضي في مثل هذه الأيام، وقد توفاهم الله وواراهم التراب؛ فلنعتبر ونتعظ ونغتنم الفرص ولا نضيعها.

وفي هذه الأيام نتذاكر الدروس المستفادة مِن قصة إبراهيم وإسماعيل وهاجر -عليهم السلام-، وبناء البيت، وأيام إبراهيم -عليه السلام- ودعواته، وكذلك نتذاكر المعاني الإيمانية في الحج، والدروس المستفادة مِن حجة الوداع "حجة النبي -صلى الله عليه وسلم-".

فلنعظم شعائر الله: قال الله -تعالى-: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِرَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

فلنغتنم هذه الأيام في الدعوة إلى الله، والدروس والكلمات، وتذكير الناس بالتوبة، وبطاعة الله والرجوع إليه، وتجديد الإيمان، فشهر "ذي الحجة" مِن الأشهر الحرم، وكذلك مِن أشهر الحج؛ اجتمعت فيه الفضائل، فهي أيام إقبال على الله.

فأين الإفطارات الجماعية في المساجد لإحياء وإذكاء روح الإيمان، والحب في الله، والأخوة الإيمانية؟!

وكذلك أين معارض اللحوم الخيرية، ومعارض الأدوات المدرسية؛ لتخفيف الأعباء على المسلمين؟!

نسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، في السر والعلن، وأن يجعلنا مِن أهل الفردوس الأعلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم-.