إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 28 أغسطس 2017 - 6 ذو الحجة 1438هـ

حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (5) يوم الحج الأكبر

كتبه/ رمضان النجدي 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فموعدنا مع الحلقة الخامسة مِن "حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها"، وهي الحديث عن يوم النحر "يوم الحج ا?كبر"؛ ذلك اليوم الميمون المبارك، يوم العيد، وقد وافق يوم السبت حينها، وقد قام فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأعمال الحج كلها؛ لذا سمِّي بيوم الحج ا?كبر.

وهاكم تفاصيل ووقائع هذا اليوم العظيم:

- دفع النبي -صلى الله عليه وسلم- ركابه الميمون مِن مزدلفة قبْل طلوع الشمس مخالفًا هدي المشركين، فإنهم كانوا لا يدفعون مِن مزدلفة إلا عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال، مثل عمائم الرجال، فدفع -صلى الله عليه وسلم- وهو على حالٍ مِن السكينة، وكان نداؤه للناس حين دفعوا معه: (أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ) (رواه مسلم)، وهو كاف ناقته، كحاله في شأنه كله -صلى الله عليه وسلم- رفيق يحب الرفق.

- حتى إذا وصل وادي محسر -بيْن مزدلفة ومنى- أسرع قدر رمية بحجر، وأردف ابن عمه الفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأمره أن يلقط له حصى الجمار، فالتقط له سبع حصيات صغار بحجم حبة الحمص أو أكبر قليلًا، فوضعهن في يده، ثم قال للناس: (بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

- حتى إذا وصل النبي -صلى الله عليه ومسلم- إلى جمرة العقبة استقبلها جاعلًا منى عن يمينه، ومكة عن يساره، ومعه بلال وأسامة، أحدهما ممسك بخطام ناقته، والآخر رافع ثوبًا يظللـه به، وهو يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، وقطع التلبية التي كان قد لهج بها مع رميه وتكبيره عند جمرة العقبة، وكان في شأنه كله متواضعًا لله، معظمًا لشعائره.

قال قدامه بن عبد الله -رضي الله عنه-: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ، لَا ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ" (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

- وازدحم الناس حوله فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني)، وقال: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) (رواه مسلم).

- وكان الناس حوله يصله مَن شاء منهم، الرجل والمرأة، والكبير والصغير، لا يُدفع عنه أحد ولا يُبعد؛ فجاءت امرأة حسناء شابة تسأله والفضل ردفه، وكان شابًّا وسيمًا وضيئًا حسن الشعر، فجعلت تنظر إليه وطفق ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا الفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل، فدفع وجهه عن النظر إليها، فنظر مِن الشق الآخر فصرف وجهه مرةً أخرى، حتى قال أبوه العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني)، فقالت المرأة: إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ، أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ) (متفق عليه).

ولا تدري مما تعْجَب في هذا المشهد، هل مِن تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم- وقربه مِن الناس ودنوه منهم، حتى تجترئ عليه فتاة في هذا المشهد الحافل بهذا السؤال وهذه الحال، أم من تفهّم النبي -صلى الله عليه وسلم- لنوازع الشباب، وما جبلت عليه النفوس الفتية؟! فيسارع بالتأديب اللطيف الذي يجمع الرفق والمودة، ولا يستثيره تكرر المشهد إلى العنف أو الغلظة، أم مِن جرأة النبي -صلى الله عليه وسلم- على ابن عمه وقريبه دون المرأة؛ لأن الفضل يحتمل مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لا تحتمله فتاة غريبة؟!

- ثم وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للناس على ناقته العضباء بيْن الجمرات، وأطاف به أصحابه كأن على رؤوسهم الطير، فخطبهم خطبة عظيمة فتح الله لها أسماعهم حتى سمعوه في منازلهم! فقال: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)، ثُمَّ قَالَ: (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: (أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: (فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: (أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟)، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: (أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟) قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا -أَوْ ضُلَّالًا- يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ)، ثُمَّ قَالَ: (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟) (متفق عليه).

هذه خطبة يوم النحر، ولقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة خطب في هذه الحجة، خطبة يوم الجمعة قبْل الانطلاق، وذكرنا تفاصيلها في حلقتنا الأولى، وخطبة يوم السابع علَّم فيها الناس مناسكهم، وخطبة يوم عرفة تلك المعرفة بخطبة الوداع، وخطبة يوم النحر وهي هذه، وخطبة أواسط أيام التشريق -ستأتي معنا-.

- واستشعر الناس أنها موعظة مودع، فقام رجل مِن طائفة الناس، فقال: يا رسول الله اعهد إلينا، فقال: (اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

وثار الناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسألونه، وجاءت الأعراب مِن ها هنا وها هنا فسألوه، فقالوا: أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: (عِبَادَ اللَّهِ، وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ، إِلَّا مَنِ اقْتَرَضَ، مِنْ عِرْضِ أَخِيهِ شَيْئًا، فَذَاكَ الَّذِي حَرِجَ) فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ عَلَيْنَا جُنَاحٌ أَنْ لَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: (تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، لَمْ يَضَعْ دَاءً، إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً، إِلَّا الْهَرَمَ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ؟ قَالَ: (خُلُقٌ حَسَنٌ) (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني).

- ومنهم مَن قدِم مِن أقاصي الجزيرة، يسألونه عن أحكام المناسك، فمِن قائل: نسيت أن أرمي الجمار، فقال: (ارْمِ وَلَا حَرَجَ) (متفق عليه)، ومِن قائل: حلقتُ قبْل أن أذبح فقال: (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)، وجاءه رجل فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال: (ارْمِ وَلَا حَرَجَ)، فما سئل عن شيءٍ قُدِم ولا أخر إلا قال: (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ) وما سألوه عن شيء إلا قال: (لَا حَرَجَ)، ثم قال: (وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ، إِلَّا مَنِ اقْتَرَضَ، مِنْ عِرْضِ أَخِيهِ شَيْئًا، فَذَاكَ الَّذِي حَرِجَ).  

ثم نزل النبي -صلى الله عليه وسلم- منـزله بمنى -وهو مكان مسجد الخيف الآن- وأنزل المهاجرين بميمنه والأنصار يسرته، والناس حولهم مِن بعدهم، وسأله أصحابه أن يبنوا له بمنى بناءً يظله؛ فأبى عليهم أن يكون له بناء يميزه في هذا المشعر عن سائر الناس، وقال: "لا، منى مناخ مَن سبق"، ثم انصرف إلى المنحر -وهو ما بيْن المسجد والجمرة الصغرى- لينحر هديه، وقال: "ادعوا لي أبا حسن"، فدعي له علي، فقال: "خذ بأسفل الحربة"، وأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأعلاها، ثم قربت إليه البدن أرسالًا، فإذا العجب كل العجب يقع من هذه الإبل العجماوات وهي تقرَّب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لينحرها قربانًا لربه -عز وجل-؛ لقد جعلت الإبل يزدلفن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيها يبدأ به أولاً! إنها الحيوانات التي يُقال لها يوم القيامة: كوني ترابًا، ومع هذا تزدلف إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيها يبدأ به أولًا!

- نحر -صلى الله عليه وسلم- هديه، فنحر -بيده الشريفة- ثلاثًا وستين بدنة، بعدد سني عمره المبارك، ثم أمر عليًّا بنحر ما بقي منها، وقال للناس: (مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وأمر عليًّا أن يقوم عليها، قال علي -رضي الله عنه-: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا، وقَالَ: (نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ) (رواه مسلم).

- ثم دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحلاق ليحلق رأسه المقدس، فجاء معمر بن عبد الله ومعه الموسى، فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وجهه، ثم قال له ملاطفًا: "يا معمر، قد أمكنك رسول الله مِن شحمة أذنه وفي يدك الموسى"، فقال معمر: والله يا رسول الله إن ذلك لمَن نعم الله عليَّ ومَنِّه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أجل"، ثم قال له: خذ -وأشار إلى جانبه الأيمن- فأطاف به أصحابه، ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل، فجعل يقسم بيْن مَن يليه الشعرة والشعرتين، ثم قال للحلاق: خذ -وأشار إلى جانبه الأيسر- ثم قال: أين أبو طلحة؟ فجاء أبو طلحة، فدفع إليه شعر رأسه الأيسر كله، وكأنما استعاد -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين قضاها في المدينة، وبيت أبي طلحة وزوجه أم سليم وربيبه أنس بن مالك، كأنما هو مِن بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم-، خدمةً لرسول الله، وعناية بشأنه وقربًا وحفاوة، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يختاره هذا اليوم على أهل هذا الموقف كلهم، فيعطيه شعر شق رأسه كله، ويناوله ما لم يناول أحدًا مثله، وينطلق أبو طلحة يحوز الشعر المقدس، وكأنما طلاع الأرض ذهبًا وفضة بيْن يديه -رضي الله عنه-.

- ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمحلقين فقال: (رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (وَالْمُقَصِّرِينَ) (متفق عليه). قال مالك بن ربيعة -رضي الله عنه-: "سمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك وأنا -يومئذ- محلوق الرأس، فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم".

- وبعد أن رمى -صلى الله عليه وسلم- يوم العيد، ونحر وحلق؛ نزع إحرامه ولبس ثيابه، وطيَّبته عائشة -رضي الله عنها- بأطيب ما تجد مِن الطيب، وضمخت بيديها رأسه الكريم مسكًا، ثم ركب -صلى الله عليه وسلم- إلى البيت مردفًا أسامة بن زيد، فلما وصل الكعبة طاف راكبًا يستلم الحجر بمحجن كان معه، فلما فرغ مِن طوافه ذهب إلى سقاية عمه العباس، حيث كان يسقي الناس النبذ، فاستسقى مِن أوعيتهم التي يجعلون فيها سقاية الناس، فقال عمه العباس: يَا فَضْلُ, اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأتِ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: (لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ, اسْقُونِي مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ, قَالَ: (اسْقِنِي, فَشَرِبَ مِنْهُ) (رواه أحمد بسندٍ صحيح). فقصد العباس -رضي الله عنه- أن أيدي الناس تقع في هذه الأوعية الكبيرة، وأراد أن يسقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشرابٍ يخصه به، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- أبى أن يكون له تميز في أمر السقاية، وأن يختص نفسه بما لا يشركه فيه غيره، حتى وإن كان شرابًا يؤثره به عمه؛ لذا أعاد عليه أخرى، فسقاه عمه العباس مما يشرب منه الناس، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا) (رواه مسلم).

- ثم أتى زمزم -وبنو عبد المطلب يسقون ويعملون فيها- فقال: (اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ) (رواه البخاري)، فنزعوا له دلواً فشرب منها، ثم مجَّ فيها مِن فمه الطيب مجة، فأخذوها وأفرغوها في زمزم؛ حتى تعم بركة بقية شرابه ومجته مَن بعده، ثم قال لهم: (لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ، حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ) يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ. (رواه البخاري). وذلك أنه لو نزع لصارت سنة يتبعه فيها الناس، ولغُلِبَ بنو العباس على سقايتهم التي كانت مِن مآثرهم قبْل الإسلام؛ ولذا شرب مِن الدلو مع الناس، ولم ينزع مع بني عمه حتى لا يغلبوا عليها.

- ثم عاد -صلى الله عليه وسلم- إلى مِنى، فصلى بالناس صلاة الظهر، ولك أن تتساءل: كيف اتسع وقته لكل هذه الأعمال مِن الرمي، والخطبة، وإفتاء الناس، وإنزالهم منازلهم، ثم النحر لثلاث وستين بدنة، ثم الحلق، والتهيؤ للطواف باللباس والطيب، ثم القدوم للبيت والطواف، ثم الرجوع بعد ذلك؟!

فكيف اتسع لذلك كله ضحوة مِن نهار؟!

إنها البركة التي جعلها الله في وقته وعمله؛ ولذا أنجز في هذا الوقت كل هذه الأعمال الكثيرة، فإن أبيت ذلك؛ فانظر كيف اتسعت ثلاث وعشرون سنة مِن عمره لأعظم إنجاز في تاريخ البشرية، وهو بلاغ رسالات الله إلى الخلق، واستنقاذهم مِن النار، وإخراجهم مِن الظلمات إلى النور.

-عاد -صلى الله عليه وسلم- إلى منى، فمكث بها يومه يصلي الصلوات في أوقاتها ويقصر الرباعية منها، ووقته معمور بالذكر؛ عملًا بقول الله -عز وجل-: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) (البقرة:203)، والمستشرف لأخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- وحاله يُرى أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يكبِّر في قبته، ويكبر أهل منى بتكبيره حتى ترتج فجاج منى بالتكبير.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.