إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 27 أغسطس 2017 - 5 ذو الحجة 1438هـ

حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (4) على صعيد عرفات

كتبه/ رمضان النجدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد وصل بنا الحديث في الحلقات الثلاثة الماضية إلى يوم التروية "8 مِن ذي الحجة"، واليوم نحكي مشاهد يوم عرفة، وقد وافق يوم الجمعة؛ فاجتمع الخير كله، وكان يومًا حافلًا بالشعائر والمشاعر!

مَن نال مِن عرفات نظرة ساعة                     نـال الـســرور ونــال كــل مـراد

فإلى ثرى عرفات مِن بزوغ فجر الجمعة إلى بزوغ فجر السبت يوم العيد، يوم الحج الأكبر.

- أشرقت الشمس على خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة "يوم عرفة"، وسار الركب الشريف مِن منى إلى عرفات، وجموع الحجيج تسير معه؛ سار -صلى الله عليه وسلم- ولا يظن قومه إلا أنه سيقف معهم في مزدلفة كما كان شأنهم في الجاهلية، حيث جعلوا لأنفسهم موقفًا خاصًّا يقفون فيه، ولا يقفون مع الناس في عرفة؛ إذ يرون لأنفسهم مكانة وتميزًا لجوارهم بيت الله، وأنهم بذلك لا يشاركون الناس في الوقوف في عرفات، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- "الذي جاء بدينه للعالمين؛ لم يجئ به لفئةٍ مِن الناس يميزهم، ولو كانوا قومه وعشيرته" - تجاوزهم وسار ليقف مع الناس؛ عملًا بقول ربه: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) (البقرة:199).

- وهذا مشهد ثانٍ مِن مشاهد التبرؤ مِن الجاهلية ومظاهرها التي كانت لا زالت قابعة في بعض النفوس حديثة الإسلام: فقد سار النبي -صلى الله عليه وسلم- بالناس، ومع الناس قريبًا منهم؛ يدنو منه مَن شاء، ويكلمه مَن شاء؛ فهذا أعرابي يعرض له بيْن عرفات ومزدلفة يمسك بخطام ناقته وهي سائرة، ويوقفه والناس حوله يتساءلون: ما له؟ ما له؟ ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقطع عليهم تساؤلهم قائلًا: أرب ما له، -أي له شأن وله حاجة- وسأل الأعرابي: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال - -صلى الله عليه وسلم-: (أَرَبٌ مَا لَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. دَعْ النَّاقَةَ) (متفق عليه).

- ووصل -صلى الله عليه وسلم- إلى نمرة، فإذا قبة قد ضربت له هناك، فجلس فيها حتى زالت الشمس، وركب راحلته القصواء، ثم نزل بها إلى بطن وادي عُرَنَة -وهو أرض دمثة فسيحة، يسهل اجتماع الناس عليها وجلوسهم فيها- فاجتمع الناس حوله في بطن الوادي، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على راحلته مشرف عليهم، أطاف به الناس فعرفته العيون، وأصاخت له المسامع، واشْرَأبَّت له الأعناق، وخفقت بحبه القلوب، تتعلق بمحياه، وتتلقف قوله؛ فتطاول -صلى الله عليه وسلم- للناس قد أمكن قدميه في الغرز، واعتمد على مقدم الرحل، وأشرف للناس ليخطبهم خطبة عظيمة، جمع فيها معاقد الدين، وعصم الملة، وتعظيم الحرمات، فدوى صوته بيْن أهل الموقف، حامدًا الله، مثنيًا عليه.

ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ) (رواه مسلم).

ثم أقبل -صلى الله عليه وسلم- على هذه الجموع يستشهدهم شهادة عظيمة؛ شهادة البلاغ والأداء، ويقررهم بجواب السؤال إذا سئلوا يوم القيامة: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) (الأعراف:6)، فقال لهم: (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟).

ألا ما أعظم السؤال!

وما أعظم المقام!

ثلاث وعشرون سنة قضاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بلاغٍ ودعوة، وصبر ومصابرة، وجهد وجهاد؛ أُخْرِجَ -في سبيل بلاغ رسالات الله- مِن بلده وهي أحب البلاد إليه، وقوتل في بدر، وأصيب في أُحُد، وحوصر في الخندق، وشد على بطنه حجرين مِن الجوع وصُدَّ عن البيت، وقُتِل أقاربه وأقرب الناس إليه بيْن يديه؛ كل ذلك بلاغًا للدين وأداءً للرسالة، ومع ذلك يسأل ويستشهد على بلاغه أمته، فأجابته هذه الجموع كلها بالجواب الذي لا يمكن أن تجيب بغيره، وشهدت بالشهادة التي لا يحق لها أن تشهد بسواها،

نطقتْ هذه الجموع بصوتٍ واحدٍ: "نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ"، فرفع -صلى الله عليه وسلم- إصبعه الشريفة إلى السماء، وجعل ينكتها إلى الناس وهو يقول: (اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

- ونحن اليوم بعد ألف وأربعمائة سنة نشهد للرسول -صلى الله عليه وسلم- بما شهد له به أصحابه، أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه.

- وكان مِن عجاب هذا الموقف أن الذي كان يبلـِّغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للناس، ويصرخ فيهم بمقاله هو "ربيعة بن أمية بن خلف!"؛ هذا الذي قتل أبوه في بدر هبرًا بالسيوف وهو يقاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا ابنه يبلغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويصرخ في الناس بكلماته؛ ألا إنها أنوار النبوة، وهدي الرسالة، أطفأت تراث الجاهلية في القلوب التي كانت تتوارث الحقد، وتستعر فيها حرارة الثأر، فتبدلت وعادت خلقًا آخر لما هطلت عليها فيوض النبوة؛ فـ(اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (الحج:5)، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب إليهم مِن آبائهم وأمهاتهم وقلوبهم التي بيْن جوانحهم (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ) (الأنعام:88).

- فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن خطبته؛ فأذن بلال وأقيمت الصلاة، فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الظهر والعصر قصرًا وجمعًا، ثم ركب راحلته ودفع إلى عمق عرفة ليقف عند ذيل الجبل عند الصخرات مستقبلًا القبلة، رافعًا يديه داعيًا وملبيًا، وكان -صلى الله عليه وسلم- مع وقوفه في مقامه ذلك قائمًا بأمر الناس؛ تعليمًا ورعاية، وتوجيهًا ودلالة؛ يأتيه ناس مِن أهل نجد يسألونه عن الحج، فيقول لهم: (الْحَجُّ عَرَفَةُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، ويخاطِب الناس قائلًا: (وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ) (رواه مسلم)، وأرسل للناس وهم في فجاج عرفة صارخًا يصرخ بهم: "أن كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرثٍ مِن إرث أبيكم إبراهيم".

- ويسقط رجلٌ مِن أهل الموقف عن راحلته فتنفصم عنقه ويموت؛ رجلٌ مِن غمار الناس؛ لا نعرف اسمه، ولا قبيلته، ولا بلده، ولكن ربه الذي خلقه يعلم حاله وإليه مآله، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) (متفق عليه).

- وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في موقفه ذلك بارزًا للناس، مشرفًا عليهم؛ يجيئه أعرابي مِن قيس يُقال له: ابن المنتفق وصِف له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتطلبه حتى لقيه بعرفات، قال: فزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عنه، فقال: دعوا الرجل، أرب ماله، قال: فزاحمت حتى خلصت إليه فأخذت بخطام راحلته فما غير علي، قال: شيئين أسألك عنهما: ما ينجيني مِن النار، وما يدخلني الجنة؟ قال: فنظر إلى السماء ثم أقبل إلي بوجهه الكريم، فقال: "لأن كنت أوجزت المسألة لقد أعظمت وطولت فاعقل علي: اعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأدِّ الزكاة المفروضة، وصم رمضان".

وجاء الأعراب الذين وافوا الموقف يطيفون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويدنون إليه ليروا محياه، فإذا استنار لهم وجهه، قالوا: "هذا الوجه المبارك!"،  وينزل الروح الأمين على قلب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- بالوحي مِن ربه في هذا الموقف العظيم بهذه الآية العظيمة الشاذة الفاذة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3)، فسري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقرأها على الناس معلنًا كمال الدين وتمام النعمة، وعبودية البشر بالإسلام الذي رضيه لهم ربهم ولم يرضَ لهم سواه، فلما سمعها عمر -رضي الله عنه- فقهها واستشعر مِن معناها أن مهمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد انتهت بكمال الدين، وأنه يوشك أن يلحق بربه الذي أرسله، فاستعبر باكيًا، وهو يقول: "ليس بعد الكمال إلا النقصان!".

- أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد قضى عشية يومه تلك في حالٍ مِن التضرع، واللهج بالدعاء حتى ظن أصحابه أنه قد صام يومه ذلك؛ لما رأوا مِن انقطاعه للعبادة والدعاء، فأرسلت إليه أم الفضل -رضي الله عنها- بقدح لبن، وهو واقف على بعيره، فشرب منه والناس ينظرون إليه، وكان في دعائه رافعًا يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين منكسرًا لربه -عز وجل- حتى إنه عندما اضطربت به راحلته فسقط خطامها تناوله بيد، وأبقى يده الأخرى مبسوطة يدعو بها.

- وكان -صلى الله عليه وسلم- لهجًا بالثناء على الله تهليلًا وتحميدًا وتلبية: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد لك، والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك إله الحق"، وكأنما جاشت أشواق الرسول -صلى الله عليه وسلم- واستشرف قرب الأجل فسمع عشية ذلك اليوم وهو يزيد في تلبيته: "لبيك إن العيش عيش الآخرة".

- وتقضَّت ساعات النهار ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على حاله تلك؛ خشوع وخضوع، ولهج بالدعاء والذكر، حتى إذا تناهى النهار دعا بأسامة بن زيد ليكون ردفه، فتنادى الناس يدعون أسامة واشرَأبَّت أعناق الأعراب ينتظرون هذا الذي حظي بشرف ردف النبي -صلى الله عليه وسلم-، وظنوه رجلاً مِن كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فما فجأهم إلا وشاب أسود أفطس أجعد يتوثب ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يلتزمه مِن خلفه ليكون له -مِن بيْن أهل الموقف كلهم- شرف الارتداف مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال حدثاء العهد بالإسلام متعجبين: "أهذا الذي حبسنا ابتغاؤه!".

وكأنما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهذا الاختيار يعلن تحطيم الفوارق بيْن البشر، ويدفن تحت مواطئ راحلته النعرات الجاهلية، والفوارق الطبقية، والنزعات العنصرية؛ ليعلن بطريقة عملية أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى.

- فلما آذنت الشمس بالغروب أقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بلال، فقال: يا بلال استنصِت الناس، فأنصت الناس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليفيض على قلوبهم البشرى بالفيض الغامر مِن رحمة الله وعفوه، قائلًا: "أيها الناس أتاني جبريل آنفًا، فأقرأني السلام مِن ربي، وقال: بشِّر أهل الموقف والمشعر أن الله قد غفر لهم، وتحمل عنهم التبعات"، فقال عمر: يا رسول الله، هذه لنا خاصة؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "بل لكم، ولمَن بعدكم إلى يوم القيامة"، فقال عمر: "كثر خير الله وطاب".

أي والله! كثر خير الله وطاب!

- فلما وجبت الشمس وغاب قرصها، أشار -صلى الله عليه وسلم- للناس قائلًا: (ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، فدفع الناس معه، وهو -صلى الله عليه وسلم- في حطمة الناس وغمارهم، ليس له طريق خاص، وإنما هو -صلى الله عليه وسلم- مع الناس وهو إمام الناس، لا يدفع أحد أمامه، ولا يصد أحد مِن ورائه، وقد رفع يمينه المباركة يشير إليهم بسوطه قائلًا: "رويدًا أيها الناس، السكينة السكينة، إن البر ليس بإيجاف الركاب"، وإذا سمع حطمة الناس خلفه وتدافعهم؛ تطاول وأشار إليهم: (أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ) (رواه مسلم)، يقول ذلك وهو أول مَن فعله، فقد شنق راحلته وكبح زمامها، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله مِن شدة كبحه لزمامها.

وظل النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسيره ذلك عليه السكينة والجلال والوقار، فلما بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الشِّعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ، ثم ذهب إلى الغائط فبال، فلما رجع صبَّ عليه أسامة -رضي الله عنه- الوضوء مِن الإداوة، فتوضأ فلم يسبغ الوضوء، فقال له أسامة بن زيد -رضي الله عنه-: الصلاة يا رسول الله! فقال: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) (متفق عليه)، فركب حتى أتى المزدلفة، فنزل فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة فجمع بيْن المغرب والعشاء بأذانٍ واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئًا؛ صلى المغرب ثلاث ركعات، ثم أناخ كلُّ إنسان بعيره في منزله، ولم يحلُّوا حتى أقام العشاء الآخرة، فصلى العشاء ركعتين؛ ثم حلُّوا.

- واستأذنت سودة بنت زمعة أن تدفع قبْل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة -ثقيلة-؛ فأذن لها، فدفعتْ قبْل حطمة الناس، وقدّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضعفة أهله "فيهن أم حبيبة، وأم سلمة، وأغيلمة عبدالمطلب، وفيهم ابن عباس بليل"، وقال: (يَا بَنِي أَخِي، يَا بَنِي هَاشِمٍ، تَعَجَّلُوا قَبْلَ زِحَامِ النَّاسِ، وَلَا يَرْمِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْعَقَبَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- وكان يقول -صلى الله عليه وسلم- في جمع: "لبيك اللهم لبيك"، ثم هجع -صلى الله عليه وسلم- ليلته تلك إلى السحر، بعد يوم طويل حفيل بحلائل الأعمال، ونهار عامر بالعبادة والدعاء والذكر، والتعليم والإرشاد، والدلالة على الخير.

- وتنفس الصبح وأضاءت خيوط الفجر الأولى، وقام -صلى الله عليه وسلم- مسارعًا إلى صلاة الفجر، فصلاها في غاية البكور في أول الوقت، ثم ركب راحلته وتوجَّه إلى المشعر الحرام؛ فرقى عليها فاستقبل القبلة ورفع يديه يدعو ويلبي، ويكبر ويهلل على حال مِن الضراعة والخضوع، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، وقال: (قَدْ وَقَفْتُ هَاهُنَا, وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني).

- وهو -مع ذلك- يعلِّم الناس ويبين لهم، فقد جاءه عروة بن مضرس، فقال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْمَوْقِفِ، يَعْنِي بِجَمْعٍ قُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ؛ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ): يعني صلاة الفجر بجمعٍ.

- وبقي -صلى الله عليه وسلم- في المشعر الحرام حتى أسفر جدًّا، وقاربت الشمس أن تطلع.

وكان هذا هو يوم "عرفة" في حجة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.

فاللهم ارزقنا وقوفًا على عرفات، واغفر لنا وارحمنا.