إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 26 أغسطس 2017 - 4 ذو الحجة 1438هـ

البيت العتيق... والميلاد الجديد!

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جعل الله -تعالى- بيته الحرام قيامًا للناس (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) (المائدة:97)، أي به قيام أحوالهم ومصالحهم الدينية والدنيوية؛ ولولا وجوده في الأرض وعمارته بالحج والعمرة، والطواف، والصلاة، وأنواع العبادات؛ لهلك هذا العالَم، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لو ترك الناس كلهم الحج سنة؛ لخرَّت السماء على الأرض!".

- ولذا كان مِن أشراط الساعة هدم هذا البيت: فلا يبقى للمسلمين خير بعده، ولا يقوم لهم أمر وشأن ما لم يجتمعوا حوله ويعظموا حرمته؛ فقيام الناس والعالَم ببقاء هذا البيت والحج إليه.

- والكعبة المشرفة ليستْ وثنًا أو نصبًا تذكاريًا: ولكنها رمز التوحيد وسلامة العقيدة، وتوحيد المسلمين، والاستسلام للملك العلام -جلَّ جلاله-، وهي أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله وتعظيمه.

- وسمِّي هذا البيت بـ"البيت العتيق": (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج:29)؛ لأن الله -تعالى- أعتق البيت الحرام مِن أن يتسلط عليه جبار، قال مجاهد -رحمه الله-: "إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يرِدْه أحد بسوء إلا هلك".

- ومِن تشريف الله -تعالى- لهذا البيت العتيق: أنه أضافه إلى نفسه (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج:26)، وقال -تعالى-: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ)، ولم يقل: فليعبدوا ربهم أو إلههم؛ تنبيهًا لهم على شرف البيت، وتأكيدًا على ضرورة توقيره وتعظيمه.

- وقد أودع الله -عز وجل- في القلوب المهابة له، ولا تزال القلوب -دومًا- في شوق إليه: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) (البقرة:125)، فلا تشبع منه نفس المؤمن أبدًا، ولا يخرج منه إلا وهو مشتاق إليه.

- مع أن تلك البلدة "مكة" ليستْ بمكانٍ سياحي، أو ذات طبيعة خلابة: فليس فيها إلا الجبال والصحارى والحر الشديد، ومع ذلك فإن القلوب تهوي إليها (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) (إبراهيم:37).

ولمَ لاَ؟

ولهذا البيت مِن المنزلة ما ليس لغيره: فهو كما قال ربنا -جلَّ وعلا-: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران:96-97).

ومِن بركاته: كثرة الأجور ومضاعفة الحسنات؛ فإن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، وكذلك ماء زمزم المبارك، وأعظم تلك البركات ما يحصل لزائريه المخلصين مِن ألوان الهداية والسكينة وإصلاح القلوب ما لا يمكن أن يحصل لهم بغيره أبدًا، وغير ذلك كثير.  

وقد جعل الله -سبحانه- لمَن زار هذا البيت ميلادًا جديدًا: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ) (متفق عليه).

فبيت بهذا الفضل كيف لا يَسعى المسلم لزيارته ويبذل الغالي والنفيس للوصول إليه؟!

ومكافأة كهذه المكافأة "أن يرجع مِن ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأن يكون جزاؤه الجنة"؛ كيف لا يحرص عليها ويجاهد مِن أجل الفوز بها؟!

فمن عجز عن الرحلة إلى "البيت العتيق"؛ فلا أقل مِن الشوق إليه بإخلاصٍ لله ونية صادقة، مع الدعاء والسعي الحثيث للوصول إليه، والأخذ بالأسباب المؤدية لذلك.

نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا الحج والعمرة أعوامًا عديدة، وأزمنة مديدة بقبولٍ وفضل منه وإنعام.

وعلى الله قصد السبيل.