إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 23 أغسطس 2017 - 1 ذو الحجة 1438هـ

تحريف أحكام "الميراث" في "تونس" وسقوط "الأقنعة!"

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد خرج علينا الرئيس التونسي "الباجي السبسي" بتصريحاتٍ أثناء الاحتفال بمناسبة ذكرى صدور قانون الأحوال الشخصية التونسي، ودعا مِن خلالها إلى:

1- مساواة المرأة بالرجل في الميراث!

2- إباحة زواج المسلمة مِن غير المسلم!

وبطيعة الحال: خرجتْ كثيرٌ مِن ردود الأفعال اُعتبر بعضها غير متوقع؛ لا سيما موقف "مفتي تونس" الذي جاء مؤيدًا لتلك الدعوات!

إلا أن المتأمل في ردود الأفعال؛ سيجد أنها منطقية إذا علمتَ حقيقة قناعات مَن اتخذها، ولكن الآفة: أن معظم الناس -إلا مَن رحم ربي- لا يُظهِرون حقيقة قناعاتهم؛ خداعًا أو تمويهًا أو هروبًا مِن مواجهةٍ ما، ولكن تأتي بعض المواقف الكاشفة، ومنها -بلا شك- موقف الأفراد والطوائف المختلفة مِن دعوات مساواة المرأة للرجل في الميراث.

الأول: العالمانية واحترام رأي الأغلبية:

مِن أكثر ما يثير الدهشة والعجب تلك الصراحة الغريبة التي تكلم بها "الرئيس التونسي"، والذي تحدث عن الترفق في تطبيق دعوته معللًا هذا أن مِن حسن السياسة عدم مصادمة مشاعر الناس، وهو بالفعل مِن حسن السياسة، ولكن هذه مفردات حسن السياسة في الأنظمة الديكتاتورية حيث تُصنع القرارات بمعزلٍ عن الشعب ثم تفرض عليه؛ فهناك مَن يتبع سياسة العصا الغليظة والأوامر العليا، وهناك مَن يترفق ويتدرج.

وأما في النظم الديمقراطية التي تزعم: أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن السلطة التشريعية على وجه الخصوص يقوم بها نواب الشعب، وهم بحكم التعريف ما اختيروا إلا ليعبِّروا عن إرادات شعوبهم؛ فمن المفترض في النظام الديمقراطي ألا يكون ثمة مصادمة لمشاعر الناس أساسًا؛ وبالتالي فخطاب "الباجي السبسي" يدل على تجذر الروح الديكتاتورية؛ لا سيما فيما يتعلق بمخالفة الشريعة الإسلامية، ولكنه مع هذا يعتبر نفسه ديمقراطيًّا، ويعتبره العالمانيون "عربهم وعجمهم، مصريهم وتونسيهم" مثالاً للديمقراطية!

ويبدو أن الديمقراطية العربية تعني: أن تُحكم الشعوب العربية بما تراه أغلبية الشعوب الأوروبية، ولا يكون نصيب تلك الشعوب العربية المغلوبة على أمرها -إن كان لهم نصيب!-؛ إلا أن يترفق بهم الحاكم الذي يطبِّق إرادة الشعوب الغربية، ويحترم مشاعرهم احترامًا شكليًّا ريثما يمرر ما يريد تمريره؛ لا لأن لهم حقًّا في تقرير مصيرهم، ولكن لأن الحاكم الذكي هو مَن يطبِّق الديكتاتورية بطريقةٍ هادئةٍ!

وهذه الطريقة عندما تُطبَّق في مخالفة الشريعة لا تُثير غضب المؤسسات الدولية التي تدافع عن الديمقراطية وتهاجم الديكتاتورية؛ لأنهم وإن كانوا يكرهون الديكتاتورية؛ إلا أنهم يكرهون الشريعة بدرجةٍ أكبر، وبوسعهم أن يتحملوا تلك الديكتاتورية فيما يتعلق بمحاربة الشريعة!

ونحن نحاول في مواجهة هذا أن ندافع عن مرجعية شريعتنا، فإن نادوا بالديمقراطية؛ طالبناهم بأن يجعلوا مِن أسس تطبيقهم لهذه الديمقراطية في بلاد المسلمين أن يجعلوا الشريعة مرجعية عليا، لا يجوز لسلطةٍ "تنفيذية أو تشريعية أو قضائية" أن تخالفها، وتقرير أن هذه المرجعية العليا للشريعة هي إرادة الشعوب الإسلامية لا يحتاج إلى كبير عناء، وكلام "الرئيس التونسي" في عدم مصادمة مشاعر الناس خير دليل على هذا.

ومِن هنا كانت مراحل إعادة صياغة الدساتير -لا سيما تلك التي تكون بعد الثورات- مِن أهم المراحل لكل مَن يريد أن يَضع ضوابط تصبغ المجتمعات بصبغةٍ معينةٍ.

ولقد اتبع "حزب النهضة التونسي" باعتباره كان ممثل الإسلاميين في مرحلة كتابة الدستور التونسي أسلوبًا بالغ التساهل؛ ربما "يدفع التونسيون" ثمنه الآن، ودافع "الغنوشي" عن عدم ذكر الشريعة في الدستور؛ اكتفاءً بذكر أن الإسلام هو دين الدولة طلبًا للتوافق!

وفي الواقع: فإنه يجب على دعاة الإسلام أن يبدوا أقصى درجات الصلابة في كل المواقف التي تتعلق بالشريعة "لا سيما التقرير العام لمرجعيتها العليا"، وأما التطبيق العملي "لا سيما فيما يتعلق بالأداء السياسي" فيحتمل درجاتٍ كبيرةٍ مِن المرونة.

والعجيب أن "الفصائل الإخوانية" عبْر العالم لم تسلك مسلكًا واحدًا في هذه القضايا؛ فقد اتبع "إخوان تونس" طريقة فيها درجة مرونة عالية جدًّا، بل مداهنة -إن أردنا تسمية الأمور بمسمياتها-؛ حتى في مسألة مرجعية الشريعة! وهذه المرونة في هذا الموطن هي مِن أكبر أخطائهم؛ إلا أنها ستظل أهون بكثيرٍ مِن أخطاء "إخوان مصر" الذين أبدوا مرونة عالية جدًّا في شأن "المادة الثانية" في أول الأمر، حتى دخل "حزب النور" غمار العمل السياسي؛ فاضطروا -كما يصرحون الآن- إلى مجاراته في مسألة التمسك بمرجعية الشريعة!

إلا أنهم جاءوا حيث يجب أن تكون هناك مرونة كبيرة؛ فأبدوا تصلبًا وتشددًا وتمسكًا؛ انتهى إلى أن يُقال عن أدوارٍ سياسيةٍ: "دونها رقابنا!"، ولعل هذا ما جعل الإخوان؛ فضلاً عن غيرهم في حيرةٍ مِن أمرهم فيما يتعلق بأداء "حزب النور" بيْن الصلابة والمرونة.

ومِن هنا نخلص إلى: أن أداء "إخوان مصر" عكس القضيتين، وجمعَ بيْن الخطأين؛ فأبدى المرونة في غير موضعها، ثم عاد وأبدى الصلابة في غير موضعها!

وعلى الرغم مِن الوضع الحالي للدستور "التونسي" إلا أنه يجب أن يتمسك التونسيون بالشريعة؛ لأن مرجعيتها أعلى وأسبق وأبقى مِن مرجعية الدستور؛ ولأن الدستور التونسي نصَّ على أن الإسلام دين الدولة، والمقصود بالطبع مؤسساتها؛ فيجب أن تلتزم كل المؤسسات: "التنفيذية والتشريعية والقضائية" بالإسلام، أي بشموله "ومنه الشريعة".

ولأنه بالمعايير الديمقراطية حتى ولو افترضنا أن الدستور لا يضع أي قيدٍ على أداء نواب الشعب، فإقدامهم على ما يعرفون أنه يخالِف إرادة أغلبية الشعب -كما تقدَّم- يمثـِّل انتهاكًا لما يدعونه مِن ديمقراطية!

الثاني: العالمانية والكرامة الوطنية وحرية المرأة:

يتشدق العالمانيون دائمًا بالكرامة الوطنية، والاستقلال، واحترام سيادة الدول إلى آخره، في حين أنك تجد أن "الرئيس التونسي" ردد مرارًا في خطابه أن رأس مال تونس أمام العالم هو ريادتها في عالم حقوق المرأة، وأن تونس لا تملك بترولًا، ولا غيره مِن مصادر الثروة، ولكن تملك سجلًا ناصعًا في مجال حرية المرأة!

وهي مساومة "رخيصة" مكشوفة للشعب التونسي؛ أن يضحي بكرامة نسائه مِن أجل المساعدات الدولية!

وقديمًا قال العرب: "تموت الحرة ولا تأكل بثدييها!".

والآن نحتاج أن نقول: "تموت المرأة المسلمة ولا تشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا!".

لقد حاول "الباجي السبسي" في أجزاءٍ مِن خطابه أن يبدو متأثرًا بمشاهد قديمة، شاهدها في القيود التي كانت تُفرض على خروج النساء وخلافه، مما يوهِم أن الباعث الحقيقي لكل مقترحاته هي تلك الشفقة المزعومة، ولكنه سرعان ما يَنسى هذا الأمر، ويدندن حول الرصيد العالمي لتونس نتيجة ما قدَّمته مِن قرابين سابقة في هذا المجال، وكأنه يقول لا بد مِن هذا القربان الجديد لتحصلوا على دعمٍ عالميٍ جديدٍ!

كم هي مسكينة تلك المرأة التي تقع تحت سلطانهم فكريًّا أو قانونيًّا؛ يتاجرون بها في القليل والكثير، يضعون صورتها على السلع لترويجها، ويمنعون حريتها في أن تتزوج ممَن ترضاه إذا كان متزوجًا بأخرى حتى لو كانت الزوجتان راضيتين؛ لتسول رضا الغرب، وها هم الآن يخطون خطوة أخرى نحو مزيدٍ مِن المتاجرة بالمرأة تحت زعم الدفاع عنها!

واللافت للنظر: أن هناك مشكلة كبيرة في معظم البلاد الإسلامية، وهي عدم تمكن كثيرٍ مِن النساء مِن الحصول على حقهن الشرعي في الميراث، والحكومات بصفةٍ عامة "والحكومة التونسية بصفة خاصة" إزاء هذه القضية أمام أحد احتمالين:

الأول: أن تكون متراخية في حل هذه المشكلة، ومِن ثَمَّ تسقط دعواها بالاهتمام الحقيقي بحقوق المرأة!

الثاني: أن تكون عاجزة عن حل هذه المشكلة، ومِن ثَمَّ يكون مِن العبث محاولة تغيير القوانين لتعطيها فوق حقها الشرعي، بينما هي عاجزة عن إعطائها الحق الذي يتضافر عليه الشرع والقانون.

لقد حاول بعض الكُتَّاب أن يقول: "إن موقفَ الرجال الرافضين لتغيير أحكام الميراث لمخالفتها للشريعة، في ذات الوقت الذي لا يعطون أخواتهم نصيبهن مِن الميراث الشرعي - موقف متناقض، ويعبِّر على أن رفضهم ليس نابعًا مِن تعظيمهم للشريعة"، ولا شك أن هذا الصنف مِن الناس مذموم، بل له نصيب مِن قوله -تعالى-: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:44)، وأن الكفر في حالة سنِّ القوانين المصادمة للشريعة كفر أكبر، بينما الكفر في حالة التهرب مِن تطبيق أحكام الشريعة لهوى في النفس شرك أصغر؛ إلا أنه متفقٌ على ذمِّ أصحابه.

ولكن هل إذا وُجد هؤلاء المتنصلون مِن أن يطبِّقوا أحكام الشريعة على أنفسهم؛ نلزم نحن الناس جميعًا "طائعهم وعاصيهم" بمخالفة شرع الله -عز وجل-؟!

ثم لماذا يفترض هؤلاء أن المعترضين هم نفس هؤلاء الرجال الذين يأكلون ميراث شقيقاتهم؟!

ومِن المعترضين هيئات إسلامية محترمة على رأسها "الأزهر الشريف".

ومِن المعترضين نساء يرفضن أن يأكلن حرامًا.

ومنهن مَن نادت "الرئيس التونسي" أن ينشغل أكثر بالتوزيع العادل للثروة في بلاده؛ بدلًا مِن انتشار الفساد الذي لا يُبقي لعموم التونسيين "رجالًا ونساءً" شيئًا يتوارثونه!

ومِن هذا يتبيِّن: أن هذه القضية شاهد آخر على أن معظم مَن يرفع شعارات حرية المرأة، يخاطِب بها جهات أخرى غير المرأة المسلمة، ويحل مشكلات أخرى غير التي تعاني منها المرأة المسلمة، وبالطبع يستورد مشكلات أخرى لا تعاني منها المرأة المسلمة!

الثالث: العالمانية واحترام الدِّين:

هل يمكن أن تتعايش العالمانية والدِّين؟

في الواقع: إن هذا السؤال لا يمكنك أن تحصل على إجابةٍ صحيحةٍ عليه؛ إلا إذا عرفت العالمانية، وعرفت الدين، فإذا كان للعالمانية عدة تعريفات أو -على الأقل- هناك عدة مدارس في موقف العالمانية مِن الدين، وإذا كانت الأديان متعددة، وبالتالي سوف تختلف الإجابة باختلاف نمط العالمانية الذي تتكلم عنه، وباختلاف الدين الذي تتكلم عنه.

وبفرض أنك استبعدت العالمانية المعادية للدين؛ فسيبقى عندك أنماط مِن العالمانية، فهناك عالمانية محايدة تجاه الدين، وأخرى يُقال عنها إنها تحترم الدين "ورغم أن بعض هذه الأنواع أهون شرًّا مِن بعض؛ إلا ن هذه الأنواع كلها مصادمة لدين الإسلام"، لكن هل يمكن التعايش بيْن تلك العالمانية -لا سيما تلك التي تزعم احترام الدين- وبيْن الدِّين؟

نحن هنا حددنا نمطًا معينًا مِن أنماط العالمانية، وهو أهونها شرًّا فيما يتعلق بنظرته للدين، ولكن لا يمكننا الإجابة الصحيحة حتى نحدد عن أي دينٍ نتحدث، فلو كنتَ تتكلم عن الدين النصراني -مثلاً- باعتبار أن النموذج المقدَّم لنا بخصوص هذا التعايش هو بيْن العالمانية وبين النصرانية؛ فستجد الإجابة: أن النصرانية قد لا تتعارض حال التوسع في تفسير النص الموجود في الأناجيل منسوبًا لعيسى -عليه السلام-: "أعطِ ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" أنه يأمر المسيحي أن يطبِّق قوانين أي بلدٍ يعيش فيه، لا سيما وأن هذا النص مِن المفترض أنه قيل في حق قيصر الروم حال كونه وثنيًّا، وفي ظل وجود شريعة موسى -عليه السلام-، ومخالفة القوانين الرومانية لها في كثير مِن الأمور، وهذا الفهم الذي يوفـِّق بيْن النصرانية والعالمانية هو التفسير الأكثر شيوعًا الآن في الغرب.

وهنا يأتي السؤال الآخر: هل يمكن أن يوجد مثل هذا التعايش بيْن هذا النوع مِن العالمانية وبيْن الإسلام؟!

وأيضًا: الإجابة لا يمكن أن نحصل عليها؛ إلا إذا رجعنا إلى الدين الإسلامي نفسه، وسوف نجد هنا أن الأمر في غاية الاختلاف، فالقرآن يقول: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163)، ويقول: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية:18).

ونجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- نفسه يقول: (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّار) (متفق عليه).

وسنجد أن أطول آية في كتاب الله -تعالى- هي آية الدين.

وسنجد أن أحكامًا كأحكام الميراث جاءتْ مفصلة في المصدر الأول للتشريع "وهو القرآن"، مع أن المعتاد في معظم المعاملات فضلًا عن العبادات أن يأتي تفصيلها في السُّنة، إذن مَن يقول عن نفسه إنه "مسلم عالماني"؛ إما أنه لا يَفهم الإسلام، أو لا يَفهم العالمانية، أو لا يفهم أيًّا منهما، أو هو عالماني ميكافللي يفهم جيدًا، ولكن يناور ويخادع!

وعند تحليل خطاب "الرئيس التونسي" ستجد أنه يقرر كلامًا مصادمًا تمامًا للقرآن، ثم يقول: "وأما قضية المواريث، فقد ترك الله -تعالى- ورسوله الأكرم، الأمر في المواريث للبشر!".

كان الرئيس التونسي بارعًا في ترديد أنه يحترم الدين، وأنه لا يريد أن يخالف الدين، وأن الدستور التونسي ينص على أن دين الدولة الإسلام، وعندما جاء إلى التصريح الفج بالدعوة إلى مخالفة النص القرآني الصريح؛ ادعى أن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- قد تركا الأمر للناس، مع إن آيات المواريث في غاية الوضوح!

فهذا هو غاية ما ستحصل عليه مِن احترام العالمانيين للدين؛ فهو لا يعدو أن يكون عبارات معسولة، ليس لها أي رصيدٍ مِن الواقع!

الرابع: العالمانية واحترام المؤسسات الدينية:

عندما تحاور عالمانيًّا، فهو يواجهك بترسانة أسلحة، آخرها هو الحجة والبرهان! ولعل مِن أشهرها عند "عالماني مصر" أن يرفض ردك عليه في أي عبث يطرحه مِن باب أنك لستَ أزهريًّا، ولستَ متخصصًا!

فإن قلتَ لهم: وأنتم لستم متخصصين، وكثير منكم لا يكاد يحسِن قراءة الفاتحة قراءة صحيحة؛ فلماذا تخوضون في الفقه، والتفسير، والحديث، وجميع مسائل الدين؛ فإما ستكون الإجابة أنه مثقف، وبالتالي معه حصانة أن يخوض في كل شيء لا سيما الدين، وربما أراد بعضهم أن يوهم جمهوره أن كلامه هو كلام "الأزهر"؛ فيأتي ببعض مَن انحرف عن منهج الأزهر "لا سيما في التعلم مِن فقه الأئمة الأربعة، وغيرهم مِن فقهاء الإسلام" إلى التعلم مِن فقه "مؤسسة راند؛" لكي يؤيد عالمانيتهم، ويقول هذا هو رأي الأزهر!

وأما عندما تخرج المواقف المدافعة عن الشريعة مِن "شيخ الأزهر" أو حتى مِن "هيئة كبار العلماء" رغم وضعها الدستوري "الذي يزعمون احترامه"؛ تجد الرفض، بل والطعن!

ولم نكن نتصور أن يصل الأمر إلى أن يخرج "إعلاميون مصريون" يزعمون حبهم لمصر، وأنهم يفاخرون بمؤسساتها، ويطلبون لها بالريادة العالمية؛ ليقولوا للأزهر: "اصمت، لا تتكلم ولا ترد؛ فتصريحات الرئيس التونسي شأن تونسي محض، لا شأن لكم به!".

وفي ذات الوقت الذي يقولون فيه للأزهر "اعترض في سرك"؛ لأن الشأن تونسي محض، نجدهم يؤيدون علنًا، ويقيمون الأفراح والليالي الملاح، بل ويستبشر بعضهم أن الشعب التونسي يقرأ الجرائد الفرنسية! وبالتالي سيفكر في المسألة بفكرٍ منفتحٍ، يعني مقبول عندهم أن فرنسا تحاول التأثير في التونسيين، ومقبول عندهم أن يتحدث "عالمانيو مصر" في الشأن التونسي، بل ويحاولون التأثير عليهم، لكن الأزهر وكل مَن يحاول أن يدافع عن الشريعة هم فقط مَن يطالَبون بالصمت!

تُرى: هل يمكن بعد سقوط هذه "الأقنعة" أن نثق بهم في أي موقفٍ أو نأمن جانبهم على "الأزهر"؛ لا سيما وأن بعضهم طالب بإغلاقه، وبعضهم طالب بقلب شئونه رأسًا على عقب، ثم جاء البعض الآخر وطالب "بمحليته" بدلًا مِن "عالميته"؟!

الخامس: النهضة (إخوان تونس) يدرس، و"عبد الفتاح مورو" القيادي بها لا يمانِع مِن زواج المسلمة مِن كافر!:

جاء رد "حزب النهضة التونسي" في غاية الضعف، وبدا الأمر وكأنهم بصدد مقترح يتعلق بأي شأن دنيوي مباح، وليس بصدد تحريف لأحكامٍ قطعيةٍ في الشرعية الإسلامية؛ فأعلنوا عن إحالة الأمر إلى لجنة لدراسته، وإبداء الرأي فيه!

في حين خطى "عبد الفتاح مورو" نائب رئيس البرلمان التونسي، والقيادي بـ"حزب النهضة" خطوات أوسع مِن ذلك، حين أبدى تفهمًا لمسألة زواج المسلمة مِن غير المسلم، حيث قال: "إن التي تعلم أن هذا مخالف للشرع، ومع ذلك هي مصرة عليه؛ فلا يجب أن نمنعها!"، وعندما سألته المذيعة: هل يعني هذا وجوب إزالة المنشور الذي يَمنع زواج المسلمة مِن غير المسلم؟! قال: إن الناس يعرفون كيف يتحايلون على هذا المنشور، وأن مَن ترغب في الزواج مِن رجلٍ غير مسلم يسهل عليها الحصول على ورقةٍ صوريةٍ بإسلامه!

وأضاف: أما الميراث فيطبق على الورثة دون إرادتهم، وبمقتضى قانون عام فيحتاج الأمر فيه إلى دراسةٍ!

وهذا الموقف لعله يضع إخوان مصر "ومَن يدعمهم مِن القطبيين والسروريين" في مأزقٍ كبيرٍ: فالجماعة وداعميها منذ "30-6" وهم يأخذون منحنى تكفيريًّا صعبًا للغاية، فيكفـِّرون بالشبهة، وبالخطأ، وبما ليس بمكفر! وبما يظنونه قصدًا لأصحابه "وإن لم يكن عليه ثمة دليل!"، واستعانوا في هذا بطريقة تفسير وفهم جماعات التكفير لنصوص الشريعة، ولأقوال أهل العلم! وهم في كل مواقفهم كانوا ينسبون لـ"حزب النور" وللدعاة السلفيين الذين لم يسيروا في ركبهم أنهم راضون، ومِن ثَمَّ فلهم نفس حكم الفاعلين!

فماذا سيكون موقفهم مِن "حزب النهضة"؟!

لا سيما وهو مشارك في الحكم في تونس في ظل رئاسة "الباجي السبسي" في حين أن "حزب النور" في مصر ليس مشاركًا في الحكم، وإن كان مشاركًا في الحياة السياسية ينكر ما يراه مخالفًا للشريعة أو المصلحة العامة، ويوافق على ما يراه نافعًا وغير مصادم للشريعة.

إن المتأمل في مواقف الإخوان: سيجد تباينًا في تقييم الموقف الواحد بيْن أن يُعتبر كفرًا إذا صدر مِن غير الإخوان، وأن يعتبر جائزًا، بل ربما واجبًا إذا صدر مِن غيرهم! كما اختلف تقييمهم لمشاركة "محفوظ نحناح" في الحياة السياسية في "الجزائر" بعد إلغاء الجيش الجزائري للانتخابات التشريعية التي فازتْ فيها جبهة الإنقاذ -والتي رأوها مِن حسن السياسة-، ولمشاركة "حزب النور" في الحياة السياسية في مصر بعد "3-7"، والتي اعتبروها خيانة وأوصلها بعضهم للكفر!

ومِن ثَمَّ يمكن القول بان الإخوان لا يكفـِّرون بشبهةٍ عقديةٍ راسخةٍ -كما هي حال جماعات التكفير-، ولكن يكفرون بالهوى السياسي!"، ولعل هذا ما يحتاج منا إلى شيءٍ مِن البحث في جذوره بشيءٍ مِن التفصيل.

الإخوان والقطبيون والسروريون والتكفير بـ"الهوى السياسي!":

هل منهج الإخوان يتضمن الدعوة إلى التكفير والعنف أم أنهم بريئون مِن ذلك؟

أم أن هذه الأفكار يختص بها التيار القطبي سواء الذي بقي داخل الإخوان أم الذي انفصل عنها؟

تلك الأسئلة التي كان معظم المعنيين بمنهج جماعة الإخوان قبْل "30-6" يَرون أن العنف والتكفير دخيل على دعوة الإخوان في فترات الخمسينيات والستينيات، وسرعان ما انفصل عنها ليحمل أسماء جماعات أخرى ناصبت الإخوان العداء، وُوجدت بينها وبيْن الإخوان الكثير مِن المساجلات؛ إلا أن تبني الإخوان لخطابٍ تكفيري، وتورطهم في ممارسات عنيفة في "30-6" وما بعدها؛ أظهر مدى الحاجة للقراءة المتأنية لفكر الجماعة منذ عهد الأستاذ "حسن البنا" إلى الآن؛ لتفسير ظاهرة تحوُّل الجماعة بيْن عشية وضحاها إلى هذا الخطاب التكفيري العنيف، بل إن الأمر بعد "فض رابعة" لم يقتصر على الخطاب، وإنما تعداه إلى الممارسة!

وفي الواقع: إن القراءة المتأنية لفكر جماعة الإخوان في فترة الأستاذ "حسن البنا" وما تلاها مِن فترات، سواء التي ارتفع فيها المد القطبي أو التي خفت فيها، سيجد أن جماعة الإخوان منذ نشأت وفيها استعلاء عجيب على باقي الأمة، يمثـِّل "قاطرة تكفيرية جبارة"؛ إلا أن قيادة الجماعة أحيانًا ما تضع "مكابح" لهذه القاطرة التكفيرية؛ فتسير بـ"مركبة التيار الإخواني" في اتجاه محاولة قيادة الجماهير والاندماج معها بدلًا مِن تكفيرها.

وفي أحيان أخرى: تضع الجماعة نوعية أخرى مِن "المكابح الفكرية" تجعل العزلة التامة أو الشعورية مع عدم المبالاة بالجماهير بديلًا متوسطًا مِن وجهة نظر أصحابه عن التكفير الصريح "وهو الغالب على الفكر القطبي"، وأما في حالات الصدام مع السلطة، فإن الجماعة غالبًا ما تلجأ إلى "العنف" تحت عنوان: "الردع" (وهي فكرة تم التنظير لها على يد سيد قطب مِن أن التنظيم لا يتبنى العنف كخيار أصيل، وإنما يلجأ إليه لردع النظام في حالة المواجهة، والممارسات العملية للتنظيم الخاص في حياة الأستاذ حسن البنا تدل على أنه كان قائمًا على ذات فكرة الردع، وإن لم توجد مكتوبة في وثائق تلك الفترة الزمنية).

فعندما تقرر الجماعة تنفيذ "فكرة الردع" تُطلق العنان لفكرة الاستعلاء؛ ربما بلا مكابح أصلًا، وربما مع تأكيد أن "الناس لا تستأهل الإخوان، ولا تضحيات الإخوان!".

وقد حاول الإخوان قبْل "30-6" تحييد الدولة مع توجيه خطابٍ عنيفٍ ضد معارضيهم -والذين ضموا حينها أطيافًا شتى مِن الناس-، وكان التوجه حينها أن تكون خطة الردع موجهة إلى هؤلاء، ثم بعد "3-7"، وبصورة أوضح بعد "فض رابعة" تم بدء تنفيذ خطة "الردع" ضد الدولة، ولا بأس حينها لدى الجماعة أن يكون المواطن البسيط هو مسرح عمليات الردع التي تدعيها، فالمواطن البسيط هو الذي تُدمَّر شبكات الكهرباء التي تخدمه، ويرتفع سعر صرف الدولار، ومِن ثَمَّ سعر السلع، بل بلغ الأمر إلى حد نهي الناس عن "ذبح الأضاحي" حتى تركد الأسواق، وحتى يشعر الفقراء بالخدمات التي كانت تؤديها لهم جماعة الإخوان! وبالطبع فإن أسهل شيء عند منظري الجماعة في فترات الردع؛ إطلاق الفتاوى المحرضة على أفراد الجيش والشرطة.

وفي هذا الإطار: صعَّدت الجماعة -أو أبرزت- عددًا ممَن يتبنون خطابًا تكفيريًّا؛ فاستعادتْ خدمات "وجدي غنيم" الذي كانت الجماعة لا تبدي ارتياحًا كبيرًا لكلامه؛ حتى إنه كان مِن القليلين الذين لم يعودوا إلى مصر بعد "25 يناير"، وكذلك استعانت بخدمات "عصام تليمة"، وضمتْ إلى القائمة خدمات "محمد عبد المقصود"، و"محمد الصغير"، وناصرها عددٌ بخطاب تكفيري، أبرزهم "عبد الرحمن عبد الخالق!".

وهؤلاء ينتمون بدرجاتٍ متفاوتة إلى المدارس "الإخوانية والقطبية والسرورية"؛ بالإضافة إلى الاستعانة بمذيعين، مثل: "محمد ناصر"، والذي أراد أن يشارك في الموضوع، ولكن برؤيته مِن خلال استضافته لبعض هؤلاء، ومِن خلال بعض أفكاره، وكان مِن أشهرها: الفقرة الشهيرة التي يقول فيها: "إنه كافر بدين الشيخ أحمد الطيب، وبالإله الذي يعبده الشيخ حسان!".

ورأينا مِن تلك الكتيبة عجبًا عجابًا! فخرج أحدهم ليحكم بالكفر على شخصٍ بناءً على عبارة هي سبق لسان واضح، وعندما ينبهه "مذيع الجزيرة ذاته" أن الكلمة سبق لسان؛ قال: "لا شأن لي، أنا لي الظاهر!" (وهذه الدرجة مِن الغلو، وعدم اعتبار العذر بالخطأ؛ درجة لا تقول بها الجماعات التكفيرية ذاتها! والتي وإن كانت تنازِع في العذر بالجهل؛ إلا أنها لا تنازع في العذر بالخطأ).

وخرج "عبد الرحمن عبد الخالق" ببيان يكفـِّر فيه "نادر بكار"، بل يرى أن باب التوبة مغلق أمامه لتصريحات أصر على أن يفهمها بطريقته الخاصة!

ومثله "وجدي غنيم": والذي أصبحتْ فيديوهاته طافحة بالتكفير!

وكذلك "محمد عبد المقصود": والذي تخصص في رمي الناس بالعمالة والنفاق!

و"عصام تليمة": الذي توهم أن تسليم "تيران وصنافير" للسعودية ليس إلا ستارًا لتسليمها لإسرائيل، وجعل هذا الأمر وكأنه معلوم مِن الواقع بالضرورة، ثم استعان بفتاوى أهل العلم في الأزهر وغيره إبان نشأة دولة إسرائيل في ردة مَن يبيع الأرض لليهود، وركب هذا الوهم مع تلك الفتاوى، وتجرأ بغرابة شديدة على إطلاق القول بكفر كل مَن وافق على الاتفاقية؛ رغم أنه ممَن ينتقد التيار القطبي في جماعة الإخوان!

ردود فعل تكفيري الإخوان على موقف "حزب النهضة التونسي" مِن تصريحات "الرئيس التونسي":

التزم معظم الأفراد والهيئات الإخوانية الصمت تجاه القضية برمتها، ولم يعلـِّقوا عليها بقليلٍ أو كثيرٍ، في حين أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يتزعمه د."يوسف القرضاوي" بيانًا استنكر فيه تصريحات "الرئيس التونسي"، وتأييد "مفتي تونس" له، ولم يتعرض البيان لـ"حزب النهضة" في قليلٍ أو كثيرٍ.

ولعل أكثر ردود الفعل حدَّة كانت مِن "وجدي غنيم" الذي أصدر فيديو كفـَّر فيه "الرئيس التونسي"، ولم ينسَ أن يضيف "الرئيس المصري" على سبيل العلاوة مِن باب أن أفعالهما واحدة، على الرغم مِن أن الرئيس المصري، وفي موقف أقل خطرًا مِن هذا بكثير، ورغم رغبته في تبني اقتراحات معينة في موضوع الطلاق الشفهي؛ إلا أنه لما جاء رد هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف بأن هذا مخالف للشريعة لم يَمضِ قدمًا في هذا الاقتراح، وهذا مما يحسب له جزمًا (لو كنا نتكلم بمعايير إصلاحية، فأنتَ حينما تستنكر شيئًا كهذا ثم يتم العدول عنه، فأنتَ لا بد لك أن تقدر هذه الخطوة، وإن كان يوجد غيرها مما لم يصلح بعد، ولكن مَن يتكلم بمعايير ثورية يريد تراكم الأخطاء وتفاعلها، وعدم الرجوع عن أي منها، وإذا تم التراجع فيتم التعتيم عليه بغرض التهييج الثوري!).

وبالمناسبة: أطال "وجدي غنيم" في هذا الفيديو في السخرية ممن يقولون بالفرق بيْن النوع والعين، وأن الفعل قد يكون كفرًا، ولكن المعين لا يُكفـَّر حتى تُقام عليه الحجة (رغم إجماع أهل العلم على هذا المعنى، وإن اختلفوا في تطبيقه في بعض المواطن، وأظن أنه ربما يكون منها موقف الرئيس التونسي؛ لأن المسألة التي خاض فيها مِن المعلوم مِن الدين بالضرورة، ولكنها في زماننا ربما اعتراها بعض الشبهات مما ينزلها عن هذا الوصف، وتحتاج إلى إقامة الحجة).

المهم: "وجدي غنيم" لم يكن يكتفي في فيديوهاته بالفاعل، بل ربما ركز على مَن يرميهم بالرضا، والكل يذكر كيف استثمر أن ناديًا اجتماعيًّا صغيرًا يُسمَّى "نادي الطيران" أعطى جائزة الأم المثالية لراقصة ليكفـِّر كل مَن يناصبهم العداء: "الدولة والجيش والشرطة، وحزب النور!"، ويسب "أمهات" أعضاء "حزب النور" تحت دعوى أن كل هؤلاء راضون!

وقد أغفل في هذا الفيديو أمورًا:

منها: أن هذه الراقصة أخذتْ ذات الجائزة مِن ذات النادي سنة حكم د."محمد مرسي"، ومرَّ الأمر دون أن يعلم به أحدٌ.

ومنها: أن هذه الراقصة في تلك السَّنة التي وزع فيها اتهاماته على الجميع لما انتشر خبر فوزها بالجائزة "في اليوم التالي مباشرة" تم سحب الجائزة منها، واعتذر هذا النادي عن ذلك، فلم يكن هناك مجال للقول بأن هؤلاء رضوان أو حتى سكتوا أو... !

المهم "وجدي غنيم" ماذا فعل مع "حزب النهضة"؟!

لو سمعتَ الفيديو ستجد أنه عدَّل التكفير إلى نوعٍ مِن التوبيخ والتقريع والسخرية المعتادة منه في رد فعل يبدو أنه مدروس بعناية، ولكن كيف يمكن لشخصٍ واحدٍ أن يختلف حكمه على فعلين مِن جنسٍ واحدٍ بهذه الصورة المريبة؟!

والجواب: أن الاستعلاء الذي يُربَّى عليه الإخوان يقوم على "محورين"، دندن حولهما الأستاذ "حسن البنا" كثيرًا.

المحور الأول: أن إسلام الإخوان ليس كإسلام غيرهم، فهم وحدهم مَن فهم الإسلام فهمًا شاملًا (ربما قال هذا على أهل زمانه، ولكن الإخوان طردوا هذا الادعاء مع أنه لا يصدق حتى على أهل زمانه، وفيهم شيوخه، مثل: الأستاذ رشيد رضا، والأستاذ محب الدين الخطيب، وفيهم مَن هم مِن طبقة التلاميذ الأسبق منه لهؤلاء الشيوخ: كالشيخ محمد حامد الفقي، وبالطبع طرد هذا الادعاء عبْر الزمان مع النهضة العلمية التي ملأت العالم الإسلامي يعتبر مِن أكبر أزمات جماعة الإخوان!).

وأما المحور الثاني: فهو أن إيمان الإخوان ليس كإيمان غيرهم، فإيمان الإخوان جذوة في قلوبهم، وإيمان غيرهم إيمان خامل، وهذا المحور أمر وأدهى مِن المحور الأول؛ لأنه يتعلق بما في القلب، وهو مما يستحيل أن يعلمه إنسان مِن غيره!

ومِن هذين المحورين يتعامل الإخوان عمومًا مع أي تصرفٍ إخواني بغاية التقدير مِن الناحية "العلمية"، وغاية "حسن الظن قلبيًّا"، وإن حصل واهتزت الثقة في الأول؛ فلا يمكن بأي حال مِن الأحوال أن تهتز الثقة بالثاني، ولا يمكن أن يتعدى نقد أي فردٍ إخواني -مهما كان هذا الفرد جريئًا- لموقفٍ إخواني جانب التخطئة العلمية، كما فعل "وجدي غنيم" مع "نهضة تونس".

في حين تُحمَل تصرفات غير الإخواني عندهم على تشككهم في قدرته على تقدير الأمور، والموازنة بيْن المصالح والمفاسد؛ بالإضافة إلى التشكيك في نواياه، وهو الأهم والأخطر؛ فيسارعون إلى حمل كل موقف لخصومهم أيًّا ما يكن موقعهم على العداوة للدين وأهله!

وليس أدل على هذا مِن الفيديو الذي انتشر لأحد قياداتهم إبان انتخابات الرئاسة في مصر، يحذر الناس مِن انتخاب د."عبد المنعم أبو الفتوح"؛ لأنه إذا وصل للرئاسة فسوف يمنع الصلاة في المساجد، ويمنع الحجاب، وعندما آل الأمر إلى انتخابات إعادة بيْن د."مرسي" و"الفريق شفيق"، وأعلن "أبو الفتوح" تأييده لـ"مرسي"؛ وصفه د."عصام العريان" بالمجاهد الأكبر! (هكذا بين عشية وضحاها!).

إن تباين المواقف الإخوانية مِن تصريحات "الرئيس التونسي" وموقف "حزب النهضة" منها؛ يكشف جزءًا هامًّا وجوهريًّا مِن الأزمة الفكرية لجماعة الإخوان التي يجب عليها أن تضعها على "مائدة المراجعات" إن كانت حقـًّا تريد أن تستفيد مِن أخطاء الماضي القريب والبعيد على حدٍّ سواء.

نسأل الله أن يهدينا وإياهم سواء السبيل.