إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 17 أغسطس 2017 - 25 ذو القعدة 1438هـ

إيَّاكمْ ومُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ

كتبه/ أحمد حمدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إيَّاكمْ ومُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فإِنَّمَا مَثَل مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجاءَ ذَا بِعُودٍ، وجاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى حَمَلُوا مَا أنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وإنَّ مْحَقَّراتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخذْ بِها صاحِبُها تُهْلِكْهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وهذا تحذير ووعيد شديد مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الاستهانة بالذنوب، والجرأة عليها واستصغارها، وأنها تجتمع على المرء حتى تهلكه.

وقال أنس -رضي الله عنه-: "إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ المُوبِقَاتِ!" (رواه البخاري). بمعنى أنها عندهم ليستْ ذات شأن، ولا يتهيبون عند عملها والقيام بها، في حين أن الصحابة كانوا يعدونها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن "الموبقات": أي المهلكات.

فتخيل... ! أنس -رضي الله عنه- يقول ذلك في عهد التابعين، خير الناس بعد الصحابة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (متفق عليه).

فما بالك لو نظر أنس -رضي الله عنه- على ما يحدث في يومنا هذا... ماذا سيقول؟!

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا" (رواه البخاري).

فمِن النفاق: استصغار الذنب.

ومِن الإيمان: استعظام الذنب.

فلا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة مَن عصيت، فإن الجبال مِن الحصى، ومعظم النار مِن مستصغر الشرر؛ نظرة فابتسامة، فموعد فلقاء، ثم الوقوع في الفواحش -والعياذ بالله-، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (النور:21)، وقال -تعالى-: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور:15).

فلا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.

فالصغائر تصير كبائر مع الاستهانة بها والإصرار عليها، والمجاهرة بها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ) (متفق عليه)، وكذلك بأن يكون داعيًا للمعصية أو قدوة أو رأسًا في الناس يُقتدى به؛ فكثير مِن الناس يتساهل، فيقول: هذه نظرة، هذه كلمة، هذه صغيرة؛ فلا تتشدد! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) (رواه البخاري).

فبكلمة قد يخرج الإنسان مِن الملة، كما حدث يوم "تبوك" حينما قال البعض: "ما لِقرّائنا هؤلاء، أرْغبنا بُطُوْنًا وأكْذبنا ألْسنةً، وأجْبننا عنْد اللِّقاء؟!"؛ يستهزئون ويسخرون مِن حملة القرآن مِن الصحابة، فأنزل الله -تعالى-: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة:65-66).

وفي يوم مِن الأيام، قالت عائشة -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا"، تَعْنِي قَصِيرَةً. فَقَالَ: (لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

فكلمة فيها غِيْبة وسخرية قد يستقلها المرء، وهي كبيرة عند الله؛ فانظر إلى جرأة الشباب اليوم على السب والشتم بالفروج والقذف، والجرأة على العلماء؛ تعلم مدى الخطر الذي وصلنا إليه!

وكذلك تجد البعض يتساهل في أكل المال العام، والرشوة، وأموال الناس بالباطل، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن رجل أخذ شملة مِن الغنائم قبْل تقسيمها: (إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارا، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ) (متفق عليه).

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ. (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

فينبغي علينا -عباد الله- أن نجدد التوبة ونسارع بها إلى الله، فنتوب توبة نصوحًا مِن جميع الذنوب والمعاصي، ولا نسوِّف، فإن معظم صراخ أهل النار مِن التسويف والأماني، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن رجلين يعذبان في القبر: (أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) (متفق عليه).

فترى الشاب اليوم يمشي في الشارع: كاشف الفخذ والعورات، حالقًا بعض شعره، وتاركًا بعضه، يلبس السلاسل والإنسيالات والحظاظات، ويجاهر بالغناء والموسيقى، يطلق بصره ليعاكس الفتيات، ويتشبه بالنساء، والبعض يرقص في مجونٍ وخلاعة وتخنث، ويجلس على الكافيتريات لاعبًا الدومينو والطاولة والكوتشينة، والقمار والميسر، شاربًا الدخان والشيشة والمخدرات، مضيعًا لوقته، سامعًا للأغاني، معرضًا عن الصلاة والمساجد، ودروس العلم وذكر الله، بعيدًا عن طاعة ربه، وبعضهم يقتني الكلاب؛ مضيعًا لثوابه وعمله!

كل ذلك يحتاج منا إلى صحوة وثورة لإنكار هذه الذنوب، وإنقاذ هؤلاء الشباب مِن هذه الذنوب والمعاصي والكبائر، وعودته إلى الله.