إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 03 أغسطس 2017 - 11 ذو القعدة 1438هـ

قاعدة في الصبر مِن درر شيخ الإسلام (1)

كتبه/ نصر رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "قال الله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24)، فالصبر واليقين يُنال بهما الإمامة في الدين، فإذا انضاف إلى هذا الصَّبرِ قوةُ اليقين والإيمان؛ تَرَقَّى العبدُ في درجات السعادة -بفضل الله تعالى-.

ويُعِينُ العبدَ على هذا الصبر عدَّةُ أشياءَ:

أحدها: أن يشهدَ أن الله -سبحانه- خالقُ أفعالِ العباد؛ حركاتِهم وسَكَناتِهم وإراداتِهم، فما شاءَ الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يتحرك في العالم العُلْوِيّ والسّفليّ ذرة إلاّ بإذنه ومشيئتِه، فالعباد آلة؛ فانظر إلى الذي سَلَّطَهم عليك، ولا تَنظُرْ إلى فِعلِهم بكَ، تَسْتَرِحْ مِن الهمّ والغَمِّ.

الثاني: أن يَشْهَد ذُنُوبَه، وأنّ الله إنما سلَّطهم عليه بذنبه (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى:30)، فإذا شهد العبدُ أن جميع ما يناله مِن المكروه فسببُه ذنوبُه؛ اشتغل بالتوبة والاستغفار مِن الذنوب التي سلطهم عليه بسببها... وإذا رأيتَ العبدَ يقع في الناس إذا آذَوْه، ولا يَرجع إلى نفسِه باللوم والاستغفار؛ فاعلمْ أن مصيبتَه مصيبةٌ حقيقية... قال علي -رضي الله عنه-: "لا يَرجُوَنَّ عبدٌ إلا ربه، ولا يَخافَنَّ عبدٌ إلاّ ذنبَه".

الثالث: أن يشهد العبدُ حُسْنَ الثواب الذي وعده الله لمن عَفَا وصَبَر (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى:40)... ويشهد نداءَ المنادي يوم القيامة: "لِيَقُم مَن وَجَب أجرُه على الله"، فلا يَقُمْ إلاّ مَن عفا وأصلح.

الرابع: أن يشهد أنه إذا عَفا وأحسنَ أورثَه ذلك مِن سلامةِ القلب لإخوانه، ونَقائِه من الغِشّ والغِلّ وطلبِ الانتقام وإرادةِ الشرّ، وحصَلَ له مِن حلاوة العفو ما يزيد لذّتَه ومنفعتَه عاجلاً وآجلاً على المنفعة الحاصلة له بالانتقام أضعافًا مضاعفةً، ويدخل في قوله -تعالى-: (والله يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134).

الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحدٌ قَطُّ لنفسه إلاّ أورثَه ذلك ذُلًّا يجده في نفسه، فإذا عَفا أعزَّه الله -تعالى-، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق: (وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا) (رواه مسلم)؛ فالعزّ الحاصل له بالعفو أحبّ إليه وأنفع له مِن الَعزّ الحاصل له بالانتقام.

السادس: أن يَشهدَ أن الجزاء مِن جنس العمل، وأنه نفسه ظالمٌ مذنب، وأن مَن عَفا عن الناس عَفَا الله عنه، ومَن غفر لهم غفر الله له، فإذا شَهِدَ أن عفوه عنهم وصفحَه وإحسانَه مع إساءتِهم إليه سببٌ لأن يجزيه الله كذلك مِن جنس عمله، فيعفو عنه ويصفح، ويُحسِن إليه على ذنوبه.

السابع: أن يَعلم أنه إذا اشتغلتْ نفسُه بالانتقام وطلب المقابلة ضاعَ عليه زمانُه، وتفرَّقَ عليه قلبُه، وفاتَه من مصالحِه مالا يُمَكِن استدراكُهُ، ولعلّ هذا أعظم عليه مِن المصيبة التي نالتْه مِن جهتهم، فإذا عفا وصَفحَ فَرغَ قلبُه وجسمُه لمصالحه التي هي أهمُّ عنده مِن الانتقام.

الثامن: أن انتقامَه واستيفاءَه وانتصارَه لنفسِه، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما انتقمَ لنفسِه قَطُّ، فإذا كان هذا خيرَ خلق الله وأكرمَهم على الله لم يَنتقِمْ لنفسِه، مع أن أَذَاه أَذَى لله، ويتعلّقُ به حقوق الدين، ونفسه أشرف الأنفُس وأزكاها وأبرُّها، وأبعدُها مِن كلّ خُلُقٍ مذمومٍ، وأحقُّها بكل خُلُقٍ جميلٍ، ومع هذا فلم يكن يَنتقِم لها؛ فكيف يَنتقِمُ أحدنا لنفسِه التي هو أعلم بها وبما فيها مِن الشرور والعيوب؟!

التاسع: إن أُوذِي على ما فعلَه لله، أو على ما أُمِرَ به مِن طاعتِه ونُهِي عنه مِن معصيتِه، وجبَ عليه الصبرُ، ولم يكن له الانتقام؛ فإنه قد أوذِي في الله فأجرُه على الله" (جامع المسائل بتصرف).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.