إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 26 يوليه 2017 - 3 ذو القعدة 1438هـ

تربية الأولاد بيْن الألم والأمل (7) مِن وسائل التربية: صلاحُ الوالدين ودعاؤهما لأولادهما بالصلاح

كتبه/ شحاتة محمد صقر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثير مِن الآباء الذين يهتمون بأمر التربية يُقْصِرون اهتماماتهم على متابعة آخر ما توصل إليه علم التربية ومعرفة أساليب معالجة الأخطاء، وذلك حَسَنٌ، وخاصةً إذا استُقِيَ مِن مصادر الشريعة وسيرة المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-، واستنباطات العلماء منها؛ غير أن القضية الأوْلى والأهم هي قضية (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا).

قال الله -تعالى-: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) (الكهف:82).

رجلان أتيا إلى قريةٍ أهلُها بخلاء لم يُطعموهما؛ فوجدا جدارًا لغلامين صغيرين فقدا أباهما، فحفظهما الله -تعالى- بصلاح والدهما، فأقام هذان الرجلان الجدارَ وأصلحاه مجانًا، ولكَ أن تعجب أن هذين الرجلين هما موسى والخضر -عليهما السلام-: فالأول: رسول مِن أولي العزم مِن الرسل. والثاني: نبي من أنبياء الله، والسبب: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا).

فصلاح الأب قد يكون سببًا في أن يهيئَ الله لأولاده مَن يكون سببًا في صلاحهم في دنياهم وأخراهم.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "وَقَوْلُهُ: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الصَّالِحَ يُحفَظ في ذريته، وتشمل بركةُ عِبَادَتِهِ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِشَفَاعَتِهِ فِيهِمْ وَرَفْعِ دَرَجَتِهِمْ إِلَى أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَوَرَدَتِ السُّنَّةُ بِهِ" (تفسير ابن كثير).

ومِن أهم وسائل إصلاح الأولاد: الدعاءُ لهم بالصلاح، وتلك سُنَّة أبينا إبراهيم -عليه السلام- فقد كان مِن دعائه: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) (إبراهيم:35)، وكان مِن دعائه: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) (إبراهيم:40)، لكن كثيرًا مِن الآباء والأمهات بمجرد أن يَرَوْا مِن أبنائهم عقوقًا أو تمردًا يَدْعُون عليهم بشتى المصائب! وما علموا أن دعاء الوالدين مستجابٌ، وربما وافق ساعةَ إجابةٍ، فتقع الدعوة موقعها، فيشقى الولدُ بعدها شقاءً عظيمًا، والسبب -للأسف الشديد- هو أحد الوالدين.

وقد حذَّر رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- مِن الدعاء على الأولاد، فقال: (لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: (ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني)، وفي رواية: (وَدَعْوَةُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

أيها الآباء، أيتها الأمهات، ما دامت دعواتكم لأولادكم مستجابة فلا تحرموا أولادكم فضلَ دعوةٍ صالحةٍ قد تكون سببًا في هدايتهم واستقامتهم؛ فأَكْثِرُوا مِن الدُّعاء لأولادكم، واعلموا أن صلاحهم ينفعكم بعد موتكم، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وإلى لقاء آخر -إن شاء الله- في هذه السلسلة؛ لنتابع خلاصة ما كتبه أهل العلم، وذوو الخبرة مِن المربين والمعتنين بالتربية؛ لعله يكون إعانةً لنا جميعًا في تربية أبنائنا، وتذكيرًا لمَن أضاع منا أمانته، وفرَّط في مسئوليته؛ لعله يتدارك بعض ما فاته.