إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 25 يوليه 2017 - 2 ذو القعدة 1438هـ

هل مِن عودٍ إلى الله؟

كتبه/ رضا الخطيب                                      

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن طاعة الله -تعالى- وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، سبب لجلب النعم المفقودة، وحفظ النعم الموجودة.

والمعاصي سبب لذهاب النعم، وحلول النقم.

فاحذروا المعاصي والذنوب، واتقوا خطرها على الأبدان والقلوب، وانظروا وتفكروا في ظهور أثرها على الأوطان والشعوب؛ فإنها سلاّبة للنعم، جلاّبة للنقم!

إن المعاصي والذنوب هي أصل كل بلاء، ومصدر كل شقاء، ومنبع كل غضب وانتقام.

فما نفرت النعم، ولا حلَّت النقم، ولا تسلَّط الخصوم والأعداء، ولا حلت المصائب والنكبات؛ إلا بشؤم الرذائل والمنكرات.

عباد الله... ليس في الدنيا ولا في الآخرة شر، ولا داء، ولا بلاء؛ إلا وسببه الذنوب والمعاصي، وما عُذبت أمة مِن الأمم إلا بذنوبها (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (العنكبوت:40).

ما ظهرت المعاصي في ديار إلا أهلكتها، ولا تمكَّنت مِن قلوبٍ إلا أعمتها، ولا فشت في أمة إلا أذلتها؛ بها تزول النعم، وتحل النقم، وتتحول العافية، ويُستجلب سخط الله.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

عباد الله... إن المصائب والأحداث ما هي إلا نُذر للمسلمين؛ لكي يعودوا ويرجعوا إلى ربهم: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (السجدة:21)، (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) (الأنعام:43).

عن زينب بنت جحش -رضي الله عنها- قالتْ: "يَا رَسُولَ اللهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟!"، الصالحون فينا يصومون، ويصلون ويتهجدون، ويزكون ويتصدقون، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ) (متفق عليه). أي إذا كثرت وانتشرت، وظهرت الذنوب والمعاصي وفشت. والخبث هو الزنا، فنسأل الله -جلَّ وعلا- أن يلطف بنا، وأن يتداركنا بمنه ولطفه.

فارتفاع الأسعار على هذا النحو، وانتشار الأمراض، والضنك والشقاء، والتعب والنصب؛ ما هو إلا نتيجة لانحراف الناس عن دين ربهم وإعراضهم عن سُنة نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه:124). (مَعِيشَةً ضَنْكًا): مِن الأمراض وارتفاع الأسعار وشدة العيش؛ هذا في الدنيا. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى): هذا في الآخرة (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا) (طه:125)

أما طاعة الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وتعظيم شعائر الله؛ فهي سبب لجلب النعم، وطيب العيش، وراحة النفس وانشراح الصدر: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف:96)، وقال نوح -عليه السلام- لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا . مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) (نوح10-14).

قال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق".

فلنتب إلى الله توبة نصوحًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (التحريم:8).

فهي دعوة لنا جميعًا؛ حكَّاما ومحكومين، بالتوبة إلى الله والرجوع إليه حتى يرفع عنا الغلاء والوباء.