إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 15 يونيو 2017 - 20 رمضان 1438هـ

الملاحدة... وقصة الخلق (9)

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قدَّمنا في المقال السابق أن مما أوقع أصحاب التطور الموجَّه فيما همْ فيه مِن حيرة؛ النظرة أو التفسير العصري لآي القرآن بعيدًا عن أية قواعد أو ضوابط -وهذا ما بيناه-.

وكذلك خلطهم بيْن معنى التطور الصغروي أو التكيف، والتطور الكبروي.

وفيما يلي الفرق بينهما:

أولاً: التطور الصغروي أو التكيف (Micro evolution) كتحور أوراق الأشجار الصحراوية لأشواك، وتغير لون البشرة وحجم الرئات، وهو نوع متفق على صحته، قابل للاختبار، مع ملاحظة أن هذا تغيير في خصائص المخلوق الواحد أو النوع الواحد بما يتوافق مع تغير البيئة التي يعيش فيها، تغييرًا محسوبًا، محكمًا مقدرًا على أحسن تقدير، فلا كان الكائن (النوع) مِن قبْله ناقصًا عاجزًا، ولا صار مَن بعده أكثر تطورًا أو أحسن رقيًّا!

وإنما كان في كلا الحالين جميعًا على أحسن ما يكون لموافقة بيئته التي يعيش فيها، فانتقل مِن مواءمةٍ وموافقةٍ إلى مواءمة أخرى وموافقة أخرى، تكيفًا بعد تكيفٍ، وتوافقًا بعد توافقٍ، مع بقاء أصل النوع كما هو؛ ما لم يشأ الله له أن يهلك وينقرض، فيسبب الأسباب لذلك -سبحانه وتعالى-، مع أسباب أخرى يغفلها أو يتغافلها الدراونة تتعلق بحفظ التوازن البيئي العام على الأرض، وحفظ سلاسل الطعام (Food Chains) مِن الانهيار، ونحو ذلك مما نقول به؛ لأنه مقتضى حكمة حكيم عليم، لا يقضي في خلقه إلا بالحق وبتقدير محكم.

ثانيًا: التطور الكبروي (Macro evolution) أو انتقال الأنواع القائم على أن الكائنات كانت فيما هو أشبه بالحساء الأولي، ثم تكونت الخلية الأولى -هكذا- ثم قررت القيام بتحولات لتسهل عددًا مِن العمليات الحيوية، وتحولت إلى أنواع الكائنات المختلفة، وأن التنوع القائم لدينا في الأنواع قائم على أن تلك الكائنات كانت كائناتٍ بحرية بسيطة نوعًا ما؛ فتطورت للأسماك، ثم قررت الخروج مِن الماء فتكونت لديها الرئات وأصبحت برمائيات، فجرذان، فدببة، فقرود، فبشر! بل إن بعضها قرر العودة إلى الماء؛ فتكونت لدينا الحيتان والدلافين! وحتى الآن هو قائم على الملاحظة المجردة، وربط المشاهدات وتحليلها باتجاهٍ معين.

أما ملف الأعضاء الضامرة: فهو كذلك مبني على التكلف في التحليل، واقتياد الأدلة وتوجيهها في منحى معين، فالزائدة الدودية لدى البشر التي لم يكن يُعرف لها فائدة؛ لها دور مهم في المناعة، والقضاء على الفيروسات، وما كان يعتقد أنه أقدام ضامرة للحوت، هو تركيب مهم لتناسله لا يمكن الاستغناء عنه، وهو غير قابل للاختبار.

فمَن أراد أن يثبت التطور الموجه؛ فعليه مع إثبات بطلان الصدفة أن يقدِّم جوابًا مقنعًا عن أن ما يدل عليه حساب الاحتمالات مِن إثبات أن التطور البطيء للأنواع الحيوانية يمكن أن ينسجم مع العمر المحدد للكون، ثم ما هي الحلقات المفقودة بيْن نوع وآخر؟!

وأين الأدلة المادية على حدوث ذلك التطور؟!

ولماذا لم يحدث تطور حتى الآن لبعض الحيوانات التي زعموا أنها تطورت قديمًا؟!

وهل الحشرات تخضع لتلك النظرية أو -على الأصح- الفرضية الداروينية؟!

وهل القوارض تخضع لها أيضًا؟!

هذا ما لم يجب عليه أصحاب نظرية -أو فرضية- دارون, وكذلك أصحاب التطور الموجه بعد خلطهم بيْن التطور الصغروي والكبروي، لا توجد عندهم إجابات لذلك.

ولكن تكمن خطورة أصحاب التطور الموجه في أنهم يرون أن دلالة نصوص القرآن على فرضية التطور الموجه محكمة ظاهرة، وأن مَن يخالف ذلك ليست لديه حجة إلا الاعتماد على الآثار التراثية عن السلف والتمسك بها!

ثم يذكرون أن السلف إنما أخذوا بالخلق الخاص، وفسَّروا القرآن بذلك؛ لنقص علمهم بالتاريخ والبيولوجيا، ثم يذكرون آياتٍ ظنوا أنها تدل على هذا الاعتقاد النكد، بتفسيرهم السقيم للنصوص دون أية ضوابط أو قواعد، وهذا ما سنتناوله في المقالات اللاحقة -إن شاء الله- بالرد والتفنيد.

والحمد لله رب العالمين.