إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 06 يونيو 2017 - 11 رمضان 1438هـ

اغتنام رمضان... والحاجة إلى المغفرة

كتبه/ نور الدين عيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن مواسم الرحمة تعيد للعبد أمال النجاة، وتمثـِّل له رياح التغيير والسعادة، والرجوع بعد ما آيس مِن السعادة والسرور؛ فحاجة العباد لربهم أعظم الحاجات، وافتقارهم لخالقهم أعظم الفقر.

فمع لهث القلب والجوارح خلف الأسباب والماديات؛ إلا أن للقلب صيحة وصراخًا لا يخفت إلا بالرجوع إلا الله، فكلما قرب؛ كلما سكن واستقر، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر:15)؛ ففقره صفته، وحاجته نعته، وسعادته ثمرة قربه ومناجاته، وذنبه بُعده وسر شقائه؛ هذه هي الحقيقة المطلقة: أن الله خلق العبد وسعادته وفعله، ففقر العبد إلى الله في إسعاده، كفقره إليه في خلقه ورزقه.

- إن أعظم ما يحجب العبد عن الله هو استعظام ذنبه، ويأسه مِن رضا ربه، وهذا هو عين الجهل بالله؛ فإن الرجوع يقرب البعيد، ويجعل مِن العدو الولي الحبيب، ومحبوب الله في توبته على عبده وجبر كسره ومغفرة ذنبه، يحب إظهار صفاته وكرمه ومنته، (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم:50)، فالموات يحييه، والعدو إن رجع يدنيه؛ فكيف يشقى العبد والله كافيه وهاديه؟!

فنداء الغني -سبحانه- أرجى النداءات، ينادي في عباده، يدعوهم لفضله ومنته: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53)، فالله لا يرد عن بابه أحد، ولا يخذل في جواره مضطر ملتزم؛ فهذه غنيمة العباد ما داموا في إمهاله، وفرصة المحتاج الذي كثر فقره.

فهلم يا مَن ضاع عمرك، وقل عملك، وكثر ذنبك.

هلم إلى موسم الغفران، والعتق مِن النيران.

هلم إلى ترقيع خرقك، وستر عيبك، وجبر كسرك؛ فوالذي خلقك وعافاك ورزقك لا أقْدَر على استبدال حالك، وإسعادك بعد شقائك، وتقريبك بعد بُعدك، مِن الله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى:28).

- إن عظم الذنب يقابله سعة العفو، وكثرة الخطايا وتتابعها يقابلها الرحمة والتوبة؛ شريطة التوبة والرجوع.

فيا مَن أسرف في القتل واستباح الدم الحرام، ويا مَن أكل أموال الناس وأنبت جسده مِن السحت حتى أوشك أن يحل بالنار، ويا مَن يلغ في الأعراض ويستبيحها، ويا مَن انتهك الحدود وواقع الزنا والفجور؛ بادر بالرجوع قبْل مباغتة العمر، ومعالجة العذاب!

قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "ينبغي لكل ذي لبٍّ وفطنةٍ أن يحذر عواقب المعاصي؛ فإنه ليس بيْن الآدمي وبيْن الله -تعالى- قرابةٌ ولا رحم، وإنما هو قائمٌ بالقسط، حاكمٌ بالعدل. وإن كان حلمه يسع الذنوب؛ إلا أنه إذا شاء عفا؛ فعفا كلّ كثيف مِن الذنوب، وإذا شاء أخذ، وأخذ باليسير؛ فالحذر الحذر" (صيد الخاطر، ص 128).

فذنبك هو حسناتك إن رَجعتَ وقُبلتَ: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) (الفرقان:70-71)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطَايَاكُمُ السَّمَاءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ، لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "أَنَّ قَوْمًا كَانُوا قَتَلُوا، فَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا، فَأَكْثَرُوا وَانْتَهَكُوا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) (الفرقان:68)، إِلَى (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان:70)، قَالَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهُمْ إِيمَانًا وَزِنَاهُمْ إِحْصَانًا، وَنَزَلَتْ: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) (الزمر:53)". (رواه النسائي، وقال الألباني: صحيح لغيره)، فحاجة العبد للمغفرة بعد الذنب شديدة؛ فكيف يسود صفحته ويأمن غدرته؟!

وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَرَّ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِجُمْجُمَةٍ, فَنَظَرَ إِلَيْهَا , فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ, ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ, أَنْتَ أَنْتَ, وَأَنَا أَنَا, أَنْتَ الْعَوَّادُ بِالْمَغْفِرَةِ، وَأَنَا الْعَوَّادُ بِالذُّنُوبِ، وَخَرَّ للهِ سَاجِدًا، فَقِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَاسَكَ, فَأَنْتَ الْعَوَّادُ بِالذُّنُوبِ، وَأَنَا الْعَوَّادُ بِالْمَغْفِرَةِ, قَالَ: فَغُفِرَ لَهُ) (أخرجه ابن عدي، والخطيب في التاريخ بغداد، والديلمي في مسند الفردوس، وقال الألباني: إسناده جيد).

فالعبد يحتاج لتوبةٍ عامة يقبل بها على رمضان حتى ينفك وثاقه، وينطلق قلبه مِن عقاله، وتوبة مقرونة بعمل صالح يناجي بها، ويستلذ بقربها وطيبها؛ فهذا موسم النجاة والعتق، والرضا والقرب؛ فيا خسارة مَن فاته، ويا حسرة مذنب خرج منه صفرًا!

فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَقَي الْمِنْبَرَ، فَلَمَّا رَقَيَ الدَّرَجَةَ الْأُولَى قَالَ: (آمِينَ). ثُمَّ رَقَيَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: (آمِينَ)، ثُمَّ رَقَيَ الثَّالِثَةَ: فَقَالَ: (آمِينَ). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَمِعْنَاكَ تَقُولُ: (آمِينَ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: (لَمَّا رَقِيتُ الدَّرَجَةَ الْأُولَى جَاءَنِي جِبْرِيلُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: شَقِيَ عَبْدٌ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ. فَقُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: شَقِيَ عَبْدٌ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قال: شقيَ عَبْدٌ ذكِرتَ عِندَه وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ. فَقُلْتُ: آمِينَ) (أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وقال الألباني: صحيح لغيره).

فلا بد مِن القيام على وظائفه، واستشعار خطر الذنب على صاحبه، فإن لم يقبل هذه الأيام فمتى؟!

والله أسأل أن يجعلنا مِن المقبولين، والحمد لله رب العالمين.