إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 28 مايو 2017 - 2 رمضان 1438هـ

إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ!

كتبه/ جمال فتح الله

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فللصوم فوائد روحية ونفسية كثيرة، منها: أنه سبب لزرع تقوى الله في القلوب، وكف الجوارح عن المحرمات، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183).

والصوم مدرسة نتعلم فيها الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، وقوة الإرادة وجهاد النفس، والامتناع عن أهم رغبات الجسد وحاجاته الضرورية، ونتدرب على السلوك الحسن الذي يبعث على التقوى والإخلاص؛ امتثالاً لأمر الله وتقربًا إليه.

وفي الصوم يتعلم المسلم تهذيب النفس، وحفظ الجوارح، وتزكية الأخلاق، قال الله -تعالى-: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء:36).

قال المفسرون: "ولا تتبع -أيها الإنسان- ما لا تعلم, بل تثبَّت وتأكد. إن الإنسان مسئولٌ عما استعمل فيه سمعه وبصره وفؤاده, فإذا استعملها في الخير نال الثواب, وإذا استعملها في الشر نال العقاب" (التفسير الميسر).

وقال الله -تعالى-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) (النور:30)

قال المفسرون: "قل يا محمد, للمؤمنين يغضوا مِن أبصارهم عما لا يحل لهم مِن النساء والعورات, ويحفظوا فروجهم عما حرَّم الله مِن الزنا واللواط, وكشف العورات؛ ذلك أطهر لهم, إن الله خبير بما يصنعون فيما يأمرهم به وينهاهم عنه" (التفسير الميسر).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (رواه البخاري)

فبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الأحاديث حفظ الجوارح "خاصة اللسان؛ لأنه مِن أخطر الجوارح".

فالصوم الحقيقي إذن هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الطعام والشراب، وكما أن الطعام والشراب يقطعه، فهكذا الآثام تقطع ثوابه، وتلغي ثمرته، فتصيّره بمنزلة مَن لم يصم، قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "ليس الصوم مِن الشراب والطعام وحده، ولكنه مِن الكذب والباطل واللغو".

وقد اعتنى سلفُنا الصالح بصومِ الجوارح عن المحرَّمات اعتناءَهم بصوم الجسم عن المفطرات، روي عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قوله: "إذا صمتَ فليصُم سمعك وبصرُك ولسانُك عن المحارِم، ودَع عنك أذَى الجار، وليكُن عليك سكينةٌ ووقار يومَ صومِك، ولا تجعل يومَ صومك ويومَ فِطرك سواء!".

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "الصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة مَن لم يصم!".

وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: "وللصوم آداب يجمعها: حفظ الجوارح الظاهرة، وحراسة الخواطر الباطنة، فينبغي أن يتلقى رمضان بتوبةٍ صادقةٍ، وعزيمةٍ موافقةٍ، وينبغي تقديم النية، وهي لازمة في كل ليلة، ولا بد مِن ملازمة الصمت عن الكلام الفاحش والغيبة، فإنه ما صام مَن ظل يأكل لحوم الناس، وكفّ البصر عن النظر إلى الحرام، ويلزم الحذر مِن تكرار النظر إلى الحلال".

فإذا كان معنى الصيام الشرعي هو الامتناع عن الأكل والشرب في نهار شهر رمضان مِن طلوع الشمس إلى غروبها، وكذا في صيام النفل خلال العام، فإن الصيام الذي نقصده هنا تحتاجه على كل أحوالك، وفي كل لحظات حياتك، وساعات أيامك؛ حال فطرك، وأثناء صومك، بل وفي كل ثانية تمر مِن عمرك، وتقربك إلى قبرك، ولك أن تقول: إنه الترجمة الحقيقية لأثر الصوم في نفسك يا ابن آدم.

- صوم اليد عن المعاصي، فلا تبطش، ولا تسرق، ولا تضرب.

- صوم الرجل عن المشي إلى أماكن اللهو والخنا، والفساد في الأرض، ومحل سخط الله وغضبه.

- صوم اللسان، وهو حفظ اللسان عن الهذيان والكذب، والغيبة والنميمة، والفحش والجفاء، والخصومة والمراء، وشغله بذكر الله وتلاوة القرآن.

احـفـظ لـسـانـك أيهـا الإنـسان                       لا يــلــدغـــنــك إنــه ثــعــبـان

كم في المقابر مِن قتيل لسانه                        كـانت تـهـاب لقاءه الشجـعـان

وقال آخر:

الصمت زين والسكوت سـلامـة                                 فـإذا نـطـقـتَ فلا تـكـن مـكـثـارًا

فـإذا نـدمت عـلى سـكـوتك مرة                                 فـلـتــنـدمـن عـلى الكـلام مـرارًا

قال سفيان الثوري -رحمه الله-: "أول العبادة الصمت، ثم طلب العلم، ثم العمل به، ثم حفظه، ثم نشره".

- صوم الأذن عن الإصغاء إلى سماع الغناء، وما لا يرضاه الرب -سبحانه-.

- صوم العين بغضها عن النظر إلى ما يغضب الرب -جلَّ جلاله-.

- غض البصر، وقد قيل: "النظرة سهم مسموم مِن سهام إبليس، فمن تركها مخافة الله أعقبه إيمانًا يجد طعمه في قلبه".

قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-:

رأيتُ الذنــوبَ تُـمـيــتُ القـلـوبَ                     وقـــد يُـــورِثُ الـــذُّلَّ إدمـــانُـهـا

وتـَركُ الذنوبِ حــيـاةُ الــقــلـوبِ                     وخــيـرٌ لــنــفـسِــكَ عِــصـيـانُـها

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) (رواه مسلم).

والحمد لله رب العالمين.