إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 09 مايو 2017 - 13 شعبان 1438هـ

حكم التقليل مِن شأن حفظ "القرآن الكريم"، وبعض مخالفات ما يسمَّى بمشاريع تدبر القرآن!

السؤال:

1- بعض مشاريع التدبر تزهـِّد الناس في الحفظ بطريقٍ مباشر أو غير مباشر، ويتم التوسع في الآية الواحدة بالساعات بالكلام في فوائد لا تدخل قطعًا في المعني المباشِر للآية، ومحور كلام بعض هؤلاء على أن الحفظ مندوب، والتدبر واجب دون تفصيل منه، وغالب مَن يحضر له مِن النساء، وكثير مِن كتاباته ودروسه تحمل قصصًا سيئة لمن حفظ ولم يعمل مما ينقل صورة سلبية عن حفظة القرآن، فهل مثل هذا يحذر الناس منه؟

2- هل القول بأن طريقته هي طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة في التدبر قول جائز؟

3- ما حكم مَن يقول إن تدبر القرآن قد علاه التراب منذ قرونٍ، فجاء صاحب المشروع فأزال عنه التراب؟

4- ما حكم رسم هرم مِن أشخاص قاعدته سُبُع وعلى قمته واحد، ويُقال للأطفال: "هذا الذي على القمة غالب فوق الناس، والله غالب فوقه وفوق الجميع"، وهذا في شرح اسم الله العزيز مع كتابة: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى:11)؟

5- نريد نصيحة مِن فضيلتك لمن يشغله مناهج التدبر المزعومة عن الحفظ والمراجعة؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأولاً: الترغيب في حفظ القرآن مجمعٌ عليه بيْن الأمة، وفي الحديث الصحيح عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: (فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟) فَقَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: (اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟) فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا، وَاللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ)، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا، وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي -قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ)، فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: (مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟) قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا -عَدَّدَهَا- فَقَالَ: (تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) (متفق عليه)، فمن زهـَّد الناس في ذلك؛ فقد خالف الإجماع، ومِن ذلك نقل الصورة السيئة لبعض مَن حفِظ القرآن ولم يعمل به.

ثانيًا: التدبر الواجب هو التدبر الذي يتحقق به الإيمان الواجب اعتقادًا وعملاً، وسلوكًا وخُلُقًا، وليس مجرد وضع عنوان: "التدبر"، ثم يتكلم الجُهَّال -حتى الأطفال الذين لا يحسنون نطق أسمائهم- بأي كلام بالرأي، ودون رجوعٍ لتفسير أهل العلم، ويُقال إن هذا هو المقصود مِن الآية القرآنية: (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (ص:29)، فإن هذا الجهل وضع لكلام الله في غير موضعه!

ثالثًا: الزعم بأن ما يتناوله هؤلاء هو طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- زعم كاذب وباطل؛ خاصة أنه يتضمن انحرافاتٍ عقدية: كإنزال آيات الكفار على المسلمين؛ مما يؤدي إلى التكفير للمسلمين في مآل الأمر!

رابعًا: كل مَن يتهم الأمة قرونًا طويلة بأنها ضيَّعت ما جاء به هو "سواء في هذا الباب، أو في باب أسماء الله الحسنى" - فهو ضال مغرور؛ قد زكَّى نفسه فوق علماء الأمة عبْر الزمان، بل كلامهم يشمل القرون الأولى؛ لأنه لم يُنقل عنهم مثل هذه المزاعم!

خامسًا: التشبيه للأطفال بالسبع والأسد والهرم رغم كتابة: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى:11)، يؤدي إلى أن يستقر في نفوسهم الصورة المشبه بها، وستكبر هذه العقيدة الفاسدة معهم! فلماذا لم يفعل السلف ذلك؟!

سادسًا: ابتعد عن هؤلاء المبتدعين، واقرأ في كتب التفسير على منهج أهل السُّنة، وبعد ذلك سوف يمكنك التدبر الصحيح "ضع القضبان قبْل أن تقود القطار".