إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 02 مايو 2017 - 6 شعبان 1438هـ

فضل الصيام في شهر شعبان (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

الترغيب في الإكثار مِن الصيام في شهر شعبان مِن خلال بيان أنه مِن خير ما يختم به المسلم أعمال العام.

المقدمة:

- شعبان شهر ترفع فيه أعمال العام: عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ. قَالَ: (ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

ـ سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- يختِم عمله بالصيام: عن عائشة -رضي الله عنها- قالتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ" (متفق عليه). وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ" (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). وتقدم في حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قَالَ: (وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ).

- اختيار الصيام للختام يدل على عظيم شرفه ومكانته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ) (رواه البخاري).

(1) الصيام من أفضل العبادات:

- عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: أَنْشَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غَزْوَةً فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ). قَالَ: فَغَزَونَا فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا، قَالَ: ثُمَّ أَنْشَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غَزْوًا ثَانِيًا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ). قال: فَغَزَونَا فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا. قَالَ: ثُمَّ أَنْشَأَ غَزْوًا ثَالِثًا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَتَيْتُكَ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ فَسَأَلْتُكَ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ فَدَعَوْتَ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يُسَلِّمَنَا وَيُغَنِّمَنَا فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ). قَالَ: فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِعَمَلٍ، قَالَ: (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لاَ مِثْلَ لَهُ).

قَالَ: فَمَا رُئِي أَبُو أُمَامَةَ، وَلاَ امْرَأَتُهُ، وَلاَ خَادِمُهُ إِلاَّ صُيَّامًا، قَالَ: فَكَانَ إِذَا رُئِي في دَارِهِمْ دُخَانٌ بِالنَّهَارِ قِيلَ: اعْتَرَاهُمْ ضَيْفٌ نَزَلَ بِهِمْ نَازِلٌ، قَالَ: فَلَبِثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالصِّيَامِ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ بَارَكَ اللَّهُ لَنَا فِيهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمُرْنِي بِعَمَلٍ آخَرَ، قَالَ: (اعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَ اللَّهُ لَكَ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً) (رواه أحمد والنسائي وابن حبان، وصححه الألباني).

(2) الصيام عبادة للعالمين:

- لفضل الصيام فرضه الله على العالمين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183).

- كان الصيام في الأمم السابقة على نفس صيامنا، بخلاف ما ابتدعه المحرِّفون: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قَالَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا -عليهما السلام- لبَنِي إِسْرَائِيلَ: (وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ... ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: بَلَغَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنِّي أَصُومُ أَسْرُدُ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ: (أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي اللَّيْلَ؟ فَلا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ حَظًّا، وَلِنَفْسِكَ حَظًّا، وَلأَهْلِكَ حَظًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ). قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: (فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلامُ-). قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: (كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلا يَفِرُّ إِذَا لاقَى) (متفق عليه).

(3) ومِن فضائل الصيام:

- الصيام العبادة الوحيدة التي أضافها الله إلى نفسه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ، هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) (متفق عليه).

- الصيام سبب في صلاة الله وملائكته عليه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ) (رواه الطبراني وابن حبان، وحسنه الألباني).

- الصيام عنوان الإخلاص: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ، هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) (متفق عليه).

- الصيام تربية إيمانية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الله -عز وجل-: (يَدَعُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ مِنْ أَجْلِي، وَيَدَعُ لَذَّتَهُ مِنْ أَجْلِي) (رواه ابن خزيمة، وصححه الألباني). "لقد فشلت الشيوعية في تغيير حياة الإنسان بكل ما سعتْ به مِن أسباب للمساواة المزعومة، أما الإسلام: فيستوي الغني والفقير في الجوع والعطش طواعية".

- الصيام سبب في حصول التقوى: قال الله -تعالى-: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) "إتقان الظاهر مع الباطن، وترك المباح الحلال أصعب مِن ترك الحرام".

- الصوم حصن مِن الفواحش: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (متفق عليه).

- الصيام سبب في استجابة الدعاء: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثُ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ المُظْلُومِ، ودَعْوَةُ المُسافِرِ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني).

- الصيام في الشتاء غنيمة وفي الصيف نجاة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ) (رواه أحمد والطبراني، وحسنه الألباني).

- الصيام حصن مِن النار: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) (متفق عليه).

- الصيام فضله بعض العلماء على الجهاد مقارنة بيْن الأثرين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في المجاهد: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ) (متفق عليه)، وقال في الصائم: (وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ) (متفق عليه).

- الصيام صحة للبدن مِن أمراض المعدة ووقاية لمرضى السكر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). "وقال الأطباء: إن غدة البنكرياس تفرز مادة الأنسولين بالجوع أكثر مِن الشبع، وهي مادة يحتاجها مريض السكر، وأما مع الشبع فإنها ترهق وتضعف".

فائدة نادرة وبشرى:

عن عمران بن حصين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل: (هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟) قَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ) (متفق عليه).

قال القرطبي -رحمه الله-: "فيه إشارة إلى فضيلة الصوم في شعبان، وأن صوم يوم منه يعدل صوم يومين في غيره، أخذًا مِن قوله في الحديث: (فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ) يعني: مكان اليوم الذي فوته مِن صيام شعبان" (فتح الباري).

فاللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها.