إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 30 أبريل 2017 - 4 شعبان 1438هـ

حول مصطلح "الاستحلال" في كلام السلف

السؤال:

1- أليس الحكم بغير ما أنزل الله بالإلزام في التشريع العام بما يخالف الشرع كفر أكبر بذاته؟ فإن كان كذلك؛ فلماذا نذكر أمر الاستحلال، وأن هذا الإلزام استحلال وزيادة؟ أليس هذا القول يتعارض مع تقرير أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر بذاته؛ لأن حضرتك أكدت كثيرًا على أن الكفر الأكبر لا يفتقر إلى استحلال، وإنما الاستحلال يُشترط في المعاصي والكبائر، وفي رسالة الشيخ محمد بن إبراهيم وفي شرحك لها كثيرًا قرأتَ علينا دون تعليق قوله في أن الكفر الأكبر هو الكفر الاعتقادي، فهل الحكم بغير ما أنزل الله كفر اعتقادي أم عملي؟ وكيف نجمع بيْن هذه المتناقضات؛ لأن الأمر اختلط عليَّ رغم أني قرأتُ واستمعت لحضرتك ولآخرين كثيرًا في هذه القضية؟

2- حضرتك ذكرتَ قبْل ذلك في مسألة الحاكمية أن الاستحلال لم يَرد في الكتاب والسُّنة في حين أن هذا الحديث: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ) ذكر فيه الاستحلال؟

3- ما الدليل على أن الاستحلال في الشرع فضلاً عن كلام السلف يشمل كل صور انخرام الباطن، وأن الاستحلال أعم مِن مجرد نطق اللسان بتحليل الحرام أو قوله عن الحرام هذا حلال؟! وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

1- فليس هناك تناقض -بحمد الله-، والحقيقة أن الاستحلال في استعمال أهل العلم المتقدمين يشمل الإباء والاستكبار، وبعض المتأخرين قصره على حسب فهمه المخطئ على مَن يقول عن الأمر المحرم إنه حلال أو الواجب يجوز تركه، ولا يجعل منه الإباء والاستكبار الذي الإلزام في التشريع العام فرع عليه! وهو مستلزم للاستحلال وشامل له بالاصطلاح العام.

ولذا قلنا: "إن الإلزام في التشريع العام استحلال وزيادة"، وهو كذلك بلا شك، فالذي يجرِّم مَن يتحاكم إلى الشرع ويؤصِّل ذلك، لابد أن ينص على ما يتضمن الاستحلال؛ وإن لم يصرِّح بما ظنه البعض شرطًا في الاستحلال المكفر، وهو التصريح بالاستحلال، لكن الذي ينص على إباء الشرع ورده داخل في ذلك بلا شك؛ ولذا دخل هذا في الكفر الاعتقادي الذي يشمل زوال عمل القلب الركن في الإيمان، فأرجو أن تعيد سماع الشرائط وقراءة المكتوب جيدًا، وسيزول عنك -إن شاء الله- ما فهمته خطأ.

2- فالمقصود أنه لم يَرد الاستحلال الاصطلاحي؛ وإلا فالحديث يشمل الاصطلاحي الذي يكون كفرًا، والذي هو بنوع تأويل.

3- الاستحلال الاصطلاحي -كما سبق- لم يَرد في الكتاب والسُّنة، وإنما هو من كلام العلماء عبَّروا به عن تكذيب "قلبي أو لساني" لتحريم محرم قد حرَّمه الشرع، وباستقراء كلامهم وجدنا الكثير منهم يستعمله في معنى "الإباء والاستكبار" عن الشرع، وكذا الاستهزاء به، وأكثر ما تجد ذلك في كتب الحنفية ثم الشافعية في أبواب الردة مِن كتب الفروع، وقد ذكر الإمام النووي -رحمه الله- في "روضة الطالبين" أن الشافعية يوافقون الحنفية في معظم المسائل، ويخالفونهم في بعضها؛ وبالجملة فالاستقراء على استعمال كثير مِن العلماء للفظ معين في معنى أو معانٍ لا يتم لكَ دون الرجوع إلى مصادرهم.

وستجد في "روضة الطالبين" للنووي -رحمه الله- تعليقًا على ما نقله مِن مسائل في الردة عند الحنفية "موافقة ومخالفة" ما يدلك على أن انخرام الباطن عندهم الذي دلَّت عليه أقوال وأفعال ظاهرة لا تحتمل إلا ذلك - هو كفر ناقل عن الملة، وللحنابلة والمالكية ما يوافِق ذلك.