إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 14 أبريل 2017 - 17 رجب 1438هـ

إستراتيجية "داعش" بيْن قتل د."مصطفى عبد الرحمن" -رحمه الله- وقتل الأقباط

كتبه/ غريب أبو الحسن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

- فمع تبني "داعش" لحادث تفجير "كنيستي طنطا والإسكندرية" يبرز سؤال بديهي، وهو: ما هي غايات "داعش" مِن هذه العمليات؟ وإلى ماذا يرمي هذا التنظيم؟!

- ودعونا قبْل ذلك نتأمل في إستراتيجية "داعش" في الدول التي نشطت فيها قبْل "مصر"، مثل: "العراق - وسوريا - وغيرهما"؛ حيث عمد التنظيم إلى انتهاج إستراتيجيات ثابتة لزرع موطئ قَدَم له في هذه الدول.

- إستراتيجية التفتيت وضرب الأركان الصلبة داخل الدول والمجتمعات المستهدفة هي إستراتيجية "داعش" العامة؛ فإن الدول المتماسكة المستقرة عَصِيّة على اختراق "داعش" لها.

ومِن هذه الاستراتيجيات:

- إستراتيجية البدء بالعدو القريب:

كان "الزرقاوي" هو أول مَن غيَّر إستراتيجية تنظيم "القاعدة" في العراق -والذي تحول فيما بعد إلى تنظيم "داعش"- وحوَّل خنجر التنظيم مِن استهداف الأمريكيين والدول الغربية المتحالفة معهم والمحتلة للعراق إلى استهداف أبناء العراق؛ فبدأ بالهجوم على الفصائل الجهادية الأخرى بالعراق تحت دعوى أنهم مِن الصحَوَات (أي عملاء للأمريكان).

وبعدها دخلت العراق في حربٍ أهلية مريرة متعددة الأطراف؛ جعلت الجندي الأمريكي يلتقط أنفاسه ويضع سلاحه بينما يقوم "تنظيم القاعدة" بقتل الشعب العراقي نيابة عنه.

- إستراتيجية تفتيت نسيج المجتمع:

ورغم دخول الأمريكان العراق بمساعدة شيعية إيرانية -كما أقرَّ بذلك هاشمي رفسنجاني-، ورغم استهداف الشيعة لأبناء السُنّة في العراق؛ إلا أن ممارسات "القاعدة" في العراق سَهَّلَت على سماسرة الحرب في العراق والتابعين لإيران حشد شريحة كبيرة مِن الشيعة لإطلاق موجات انتقام شيعية ظالمة ضد أبناء سُنّة العراق، ثم بعد أن تسمَّى بـ "تنظيم داعش" شنَّ العديد مِن الهجمات ضد مسيحيي العراق، وضد غيرهم مِن مكونات الشعب العراقي؛ فالتنظيم ينتعش ويجد موطئ قدم عندما تحدث فوضى الاقتتال الطائفي، وهذا ما يحاول صنعه في مصر مِن وراء الهجوم على مسيحيي مصر؛ هو يعلم جيدًا أن مثل هذه الهجمات لا تسقط نظامًا، ولكن ما يرمي إليه هو إزكاء الأحقاد بيْن مكونات الشعب المصري، وتغذية العداوات وروح الانتقام والثأر، فتنزلق البلاد نحو الفوضى "بيئة التنظيم المفضلة"!

- إستراتيجية القضاء على وَجَاهات المجتمع:

أيضًا مِن إستراتيجية "داعش" الثابتة هي القضاء واغتيال وَجَاهات المجتمع مِن علماء، ورؤساء قبائل وكُبَراء، ومُوجِّهين؛ والتقارير تذكر أن "داعش" حينما حط رحالة بـ "الرقّة" بدأ باغتيال وَجَاهات المدينة، ليستيقظ سكانُها مِرارًا على خبر اغتيال أحد وُجَهَائِها، ثم دعوا الناس لمبايعة "تنظيم الدولة"؛ فقام مجموعة مِن الوُجَهاء واعترضوا، ليتم اغتيالهم وتصفيتهم تِباعًا بعدها بأيام، وما استهداف رؤوس قبائل العراق ووُجَهائِها ببعيدٍ عن ذلك.

وهذا ما يُفَسِّر اغتيال د."مصطفى عبد الرحمن" (أمين حزب النور بشمال سيناء)؛ فقد كان رحمه الله -على صغر سِنِّه- وجيهًا محبوبًا بيْن أبناء شمال سيناء، يتمتع بقبول بينهم؛ لِمَا مَنَّ الله عليه مِن عِلْمٍ ورَجَاحةِ عَقْلٍ وسعة صَدْرٍ، ووجود هذه النماذج في المجتمعات يُمَثـِّل عَقَبةً أمام سيطرة "داعش" على عقول شباب هذه المجتمعات.

- إستراتيجية نزع أسباب القوة مِن البلاد التي حَطّوا رحالهم فيها:

ويعمد "داعش" إلى تصفية غيره مِن الفصائل أو الصِّدَام مع جيوش البلاد المستقرة، ويحرص التنظيم دائمًا على نزع السلاح مِن أهل البلدة التي يسيطر عليها؛ فإذا ما انهزموا عن تلك البلدة، وجد الناس أنفسهم لقمة سائغة لأي مُعتَدٍ أو عدو أو طامع.

- إستراتيجية إظهار القسوة والوحشية في قتل مَن يقع في أيديهم:

وهذا غَنِيّ عن التعريف؛ فيأتون أمورًا يريدون بها الهيبة، وهي توردهم في نار جهنم!

 

- ابحث عن المستفيد (دواعش قومٍ عند قومٍ فوائد).

قبْل أن نثبت أو ننفي تلك التقارير التي تتحدث عن أن "داعش" صنيعة غربية أو إيرانية، علينا أن نتأمل أولاً:

مَن المستفيد مِن وجود "داعش" أو امتداده:

- يستفيد مِن وجود "داعش" أصحاب الطموح التوسعي الإمبراطوري، مثل: "إيران - وإسرائيل - والغرب"؛ فـ"داعش" أشبه بمحراث ضخم؛ إذا دخلتْ بلدة قلبتْ أرضها رأسًا على عقب، وغيَّرت معالمها، وقتلتْ وُجَهاءَها، وسَلَبَتْها كُلَّ أسباب القوة، لتُمَهّد الطريق ليتسلمها مالكها الجديد!

- استفاد الغرب مِن وجود "داعش" بدفع الكثير مِن الشباب المسلم خارج أوروبا: فتخلص الغرب عن طريق "داعش" مِن آلاف مِن الشباب المسلم الذين كانوا يمثـِّلون كابوسًا ديموغرافيًّا يُهَدِّد هوية أوروبا، فلا تسل عن تيسير الدعاية الداعشية لهؤلاء داخل أوروبا، وتيسير الانتقال للآلاف منهم مِن أوروبا إلى خلافتهم المزعومة!

- استفاد الغرب مِن "داعش": بتصديرهم كنموذجٍ مشوه للإسلام أمام شعوبهم؛ لصدهم عن الإسلام الصافي المعتدل!

- استفاد مِن وجود "داعش": مَن ينهب خيرات الأمة، ويشتري بترولها مِن "داعش" بأبخس الأثمان!

فإذا أردتَ أن تعرف مَن وراء "داعش"؛ تأمل في هؤلاء المستفيدين، ولا يُشترط أن يكون هؤلاء مَن صنعوها، ولكن بتوفير الظروف لنموها، وفتح الطريق أمامها، وتسهيل حصولها على سلاح ضخم بمليارات الدولارات.

- يبقى أن مِن بيننا مَن يدفع الشباب دفعًا لأحضان "داعش"؛ ليتحول الشباب لقنابل موقوتة تنفجر في وجه مجتمعهم، وفي أجساد مواطنيه الذين أنهكتهم الأزمة الاقتصادية وشظف العيش.

- يَدفع الشبابَ إلى أحضان "داعش" (مجرمون) يُطِلّون علينا في صورة باحثين ومفكرين؛ فيهاجمون تراث الأُمّة، ويعيدون طرح شبهات المستشرقين بحذافيرها مرة أخرى؛ لتشكيك الناس في أمور دينهم!

- يدفع الشبابَ إلى أحضان "داعش" إعلامٌ (بعيد كل البعد عن المهنية)؛ لا يَترك فضيلة إلا حاربها، ولا فاحشة إلا نشرها؛ بضاعتهم الكذب، ورمي الناس في شرفهم وأعراضهم!

- يدفع الشباب إلى أحضان "داعش" مَن يحارب أهل الفضل والصلاح مِن الدعاة، ويضيِّق عليهم، ويصادر منابرهم متوهمًا أنه بذلك يجفف منابع التطرف، ولا يدرك أنه في عهد "النت" و"مواقع التواصل" و"العولمة"؛ لم تعد هناك أسوار لا للدول، ولا للمجتمعات، ولا للبيوت؛ فالتوجيه أصبح يصل إلى الشباب عن طريق هواتفهم النقالة، ولم ينجح من يضيق على الدعاة إلا في منع الإسلام المعتدل من الوصول لهؤلاء الشباب، ولم يستطع أن يمنع أفكار "داعش" من الوصول إليهم بَرّاقة، وببهرجة إعلامية هوليودية! فسَدَّ قناة الماء العذب أن تصل إلى الأرض، بينما ترك قناة الماء الفاسد الآن تغرقها.

 - ومما ابتليت به بلادنا أيضا الفكر القُطْبِيّ، والذي ينظر للمجتمعات الإسلامية أنها مجتمعات جاهلية؛ مما يُمَهِّد عقول الشباب لتقبل فكر "داعش" المنحرف.

- يبقى أن أسوأ ما اُبتُلِيَت به بلادنا أولئك النفر ممن يسمون أنفسهم ليبراليين زورًا، ومِن بعض منعدمي الضمير مِن الإعلاميين ممن يستغلون أي مصيبة تمر بها مصر؛ ليُصَفّوا حسابات فكرية أو سياسية بانتهازية منقطعة النظير! فيسارع إلى الهجوم على "شيخ الأزهر" وعلى "الأزهر الشريف"، ويتهمه بالفشل، ثم يهاجِم الدعاة "وخاصة السلفيين"، ثم يهاجم الإسلام نفسه، ويهاجم نصوص الكتاب والسُّنّة، ويتهم كل مَن سبق أنهم السبب في وجود "داعش"، ولسان الحال يقول: "رمتني بدائها وانسلت"!

- ويبقى أنه على أبناء مصر المخلصين الانتباه لذلك المخطط الذي يَهدف إلى جَرِّهم إلى فوضى عارمة تسيل فيها الدماء أنهارًا، وتفقد البلاد مُقَدَّراتها، وتغرق في مصائب لا حدَّ لها، ونظرة للواقع المشتعل مِن حولنا تكفي.

- فكم يُقتل مِن أبناء شعب "العراق - وسوريا - واليمن - وليبيا" يوميًّا بيد بعضهم البعض!

اللهم احفظ دماءنا وبلادنا، وسائر بلاد المسلمين.