إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 25 فبراير 2017 - 28 جمادى الأولى 1438هـ

بشائر مِن الهزائم (3)

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا زلنا نثبت بالأحداث التاريخية أن الهزائم تكون أحيانًا هي الخطوة الأولى نحو النصر والتمكين، وقد ألقينا الضوء سابقًا على هزيمة "غزوة أُحُد" والحملات الصليبية، وما حدث بعد ذلك مِن نصر وتمكين.

واليوم نذكر مشهدًا تاريخيًّا لدخول "التتار" دار الخلافة "سقوط بغداد".

مفاوضات النهاية:

لما رأى الخليفة "المستعصم بالله" حرَج موقِفِه، أراد أن يتصالح مع التتار ويثنيهم عن عزمهم على إتمام عدوانهم، وذلك بإرسال الرسل والهدايا، ولكن "هولاكو" لم يستجب لهذا النداء، ولجأ الخليفة إلى صديقه ووزيره مؤيد الدين "ابن العلقمي" -الشيعي-، وسأله: ماذا يفعل؟ فأشار عليه الوزير بأن يخرج لمقابلة "هولاكو" بنفسه لكي يجري معه مفاوضات.

وذهبت الرسل إلى "هولاكو" تخبره بقدوم الخليفة؛ فأمر "هولاكو" أن يأتي الخليفة، ولكن ليس وحده، بل عليه أن يأتي معه بكبار رجال دولته، ووزرائه وفقهاء المدينة، وعلماء الإسلام، وأمراء الناس والأعيان، حتى يحضروا جميعًا المفاوضات وبذلك تصبح المفاوضات -كما يزعم "هولاكو"- ملزمة للجميع.

وجمع الخليفة كبار قومه، وخرج بنفسه في وفدٍ مهيب إلى خيمة "هولاكو" خارج الأسوار الشرقية لبغداد؛ خرج وقد تحجرت الدموع في عينيه، وتجمدت الدماء في عروقه، وتسارعت ضربات قلبه، لقد خرج الخليفة ذليلاً مهينًا، وهو الذي كان يستقبل في قصره وفود الأمراء والملوك، وكان أجداده الأقدمون يقودون الدنيا مِن تلك الدار التي خرج منها هو الآن، وكان الوفد كبيرًا يضم سبعمائة مِن أكابر بغداد، وكان فيه بالطبع وزيره "ابن العلقمي".

واقترب الوفد مِن خيمة "هولاكو"، ولكن قبْل الدخول على زعيم التتار اعترض الحرس الملكي التتاري، ولم يسمحوا لكل الوفد بالدخول على "هولاكو" بل قالوا: "إن الخليفة سيدخل ومعه سبعة عشر رجلا فقط"، أما الباقون فسيخضعون للتفتيش الدقيق، ودخل الخليفة ومعه رجاله، وحجب عنه بقية الوفد، ولكنهم لم يخضعوا لتفتيش أو غيره، بل أُخِذوا جميعًا وتم قتلهم.

قُتل الوفد بكامله إلا الخليفة والذين كانوا معه، لقد قتلوا كبراء القوم، ووزراء الخليفة، وأعيان البلد، وأصحاب الرأي، وفقهاء وعلماء الخلافة العباسية، وبدأ "هولاكو" يصدر الأوامر في عنف وتكبّر، واكتشف الخليفة أن وفده قد قُتل بكامله، وعرف أن التتار وأمثالهم لا عهد لهم ولا أمان (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (التوبة:10).  

وصدرت الأوامر مِن "هولاكو" إلى "الخليفة!":

1- على الخليفة أن يصدر أوامره لأهل بغداد بإلقاء أي سلاح، والامتناع عن أي مقاومة، وقد كان ذلك أمرًا سهلاً؛ لأن معظم سكان المدينة لا يستطيعون حمل السلاح، ولا يرغبون في ذلك أصلاً.

2- يُقيَّد الخليفة العباسي، ويُساق إلى المدينة، يرسف في أغلاله، وذلك لكي يدل التتار على كنوز العباسيين، وعلى أماكن الذهب والفضة والتحف الثمينة، وكل ما له قيمة نفيسة في قصور الخلافة وفي بيت المال.

3- يتم قتل ولدي الخليفة أمام عينيه -فقُتِل الولد الأكبر أحمد أبو العباس، وكذلك قتل الولد الأوسط عبد الرحمن أبو الفضائل- ويتم أسر الثالث مبارك أبو المناقب، كما يتم أسر أخوات الخليفة فاطمة وخديجة ومريم.

4- أن يستدعي مِن بغداد بعض الرجال بعينهم، وهؤلاء هم الرجال الذين ذكر ابن العلقمي أسماءهم لهولاكو، وكانوا مِن علماء السُّنة، وكان "ابن العلقمي" يُكِنّ لهم كراهية شديدة، وبالفعل تم استدعاؤهم جميعًا؛ فكان الرجل منهم يخرج مِن بيته ومعه أولاده ونساؤه فيذهب إلى مكان خارج بغداد حدده التتار بجوار المقابر؛ فيذبح كما تُذبح الشاة، وتؤخذ نساؤه وأولاده إما للسبي أو للقتل، ثم ذُبح بعد هؤلاء خطباء المساجد والأئمة وحمَلة القرآن.

كل هذا والخليفة حي يشاهد... !

لقد كان الأمر مأساة بكل المقاييس!

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.