إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 24 فبراير 2017 - 27 جمادى الأولى 1438هـ

وثيقة المدينة مع اليهود... (9) ملامح اقتصادية

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أورد محمد بن إسحاق في السيرة، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، في الكتاب الذي كتبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيْن المهاجرين والأنصار، ووادَعَ فيه اليهود وعاهَدَهم، وأقَرَّهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشَرَط لهم: "وَإِنَّهُ مَنْ تَبِعَنَا مَنْ يَهُودَ، فَإِنَّ لَهُ النَّصْرَ وَالْأُسْوَةَ; غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرٍ عَلَيْهِمْ"، وفيه: "أنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَأنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ ومَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ"، إلى قوله: "وَأنَّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ نَفَقَتَهُمْ، وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ" (البداية والنهاية الجزء 3 ص182).

نلحَظُ مِن هذه الأجزاء المنقولة بيانًا للنواحي الاقتصادية في الدولة الإسلامية الأولى عند أول نشأتها، فمِن ذلك: إقرار اليهود على أموالهم، وهذا فرعٌ على إقرارهم على دينهم وعِصْمة أنفسهم بمقتضى هذا العهد، وبالتالي تكون أموالهم محرمة على المسلمين أسوة بهم، لا يجوز أن يُعتدى عليهم فيها، كما لا يجوز أن يُعتدى على المسلمين في أموالهم، بل يَلزمُ المسلمين المناصَرة لهم في منع الاعتداء عليهم في أنفسهم، أو الاعتداء على أموالهم، كما في الكتاب: "وَأنّ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنّ لَهُ النّصْرَ وَالْأُسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا تَنَاصُر عَلَيْهِمْ"، فهم لهم حق الدفاع عنهم، ودفع الظلم عنهم، وأن لا يُنصر عليهم عدوٌ لهم، بل إن المسلمين ينصرونهم إذا ظلمهم غيرُهم أو اعتدى عليهم في نفس أو مال، ويتعاونون معهم في ذلك بالنُّصرة والنفقة كذلك.

وإن كانت النفقات المُعتادة على كل فريق على حِدَته؛ فهناك نوعٌ مِن الاستقلال الاقتصادي بدرجة ما للمسلمين واليهود داخل الدولة المُسْلِمة، وذلك لقوله: "وَأنَّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ نَفَقَتَهُمْ"، وهذا أشبه بالحكم الذاتي لأقاليم اليهود في الجانب الاقتصادي، وإن كان لا بد مِن الإنفاق العسكري حالةَ الحرب الدفاعية عن المدينة، لقوله: "وأِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ"، وفيها: "وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ".

وفي قصة غزوة بني النضير ما يدل على لزوم ذلك التعاون الاقتصادي في النوائب زيادة على التعاون في النفقات العسكرية في حالة الحرب.

قال ابن إسحاق في قصة غدر بني النضير وغزوة بني النضير: "ثم خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِر، اللَّذَيْنِ قَتَلَهما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، للعهد الذي كان -صلى الله عليه وسلم- أعطاهما، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي عَامِرٍ عهد وحِلْفٌ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالُوا: "نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، نُعِينُكَ عَلى مَا أَحْبَبْتَ"، ثُمَّ خَلا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَقَالُوا: "إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ -وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ قَاعِدٌ-، فمَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً ويُرِيحُنَا مِنْهُ؟!"، فَانْتدبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشِ كَعْبٍ، فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ... " إلى آخر القصة.

فهذا يدل دلالة واضحة على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- طلب مِن يهود بني النضير -بمقتضى العهد الذي معهم- أن يُعينوه على دية الرَّجُلين المقتولَيْن خطأ مِن عمرو بن أمية، حيث لم يكن يعلم بأن لهم عهدًا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، خصوصًا أن المقتولَيْن كان بين قومهما وبين بني النضير عهد.

فهذا مثال للتعاون في النوائب والأزمات مع بقاء الاستقلال المالي والاقتصادي لليهود داخل دولة المدينة بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمثل هذا النوع مِن العهود يسمح بوجود اقتصادٍ موازٍ للكفار، بشرط الإنفاق الإلزامي في حالة الحرب الدفاعية، ولزوم التعاون في النوائب، والله أعلم.