إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 13 فبراير 2017 - 16 جمادى الأولى 1438هـ

سمات العمل المؤسسي (6)

كتبه/ أحمد عبد الحميد عنوز

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

?- التوازن بيْن السلطة والمسئولية:

فالمؤسسات الناجحة لا بد أن تراعي الموازنة بيْن السلطات والصلاحيات الممنوحة لفردٍ ما، والمساءلة الواعية عما تعهد به هذا الفرد مِن نتائج يحققها، وواجبات وظيفية يقوم بها؛ فإن اختلت الكفتان فإن الميزان يميل، ويدب في المؤسسة أمراض مدمرة؛ إما بسبب إعطاء صلاحيات وسلطات تحول الفرد إلى مهووس بممارسة التسلط على رقاب الخلق بلا فائدة، أو بسبب مساءلة مَن لا يملك الصلاحيات الكافية لإنجاز عمله فيتم تدميره نفسيًّا وتحطيم دافعيته للعمل لشعوره بالظلم.

القاعدة هنا: "كلكم راع"، و"كلكم مسئول"؛ فالسلطات والصلاحيات تمنحها المؤسسات لمدراء وأفراد لتمكنهم مِن اتخاذ القرارات وإصدار الأوامر والتعليمات، وتوجيه مَن دونهم لإنجاز الأعمال وتصحيح الأخطاء، وليست تشريفًا وتكريمًا فارغًا عن الالتزام بالعمل والإنتاج.

والمسئولية في جوهرها أمانة والتزام، واستعداد للخضوع للمحاسبة والثواب والعقاب، وهذا هو المعنى الدقيق لكلمة (المسئولية)؛ فإنما اشتقت الكلمة مِن (المساءلة).

والسلطات والصلاحية إنما تمنح أو تسلب بناءً على كفاءة الفرد وقدرته على القيام بالمهام الموكلة إليه، وأمانته في الحفاظ على المؤسسة وتحقيق أهدافها وليس شيئًا آخر؛ لا لتحصيل وجاهة أو منافع شخصية.

والذي يتصدر للمسئولية ينبغي عليه أن يوطـِّن نفسه على ذلك؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا) (رواه مسلم)، وفي رواية: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ) (رواه مسلم).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) (الأعراف:6)، كقوله -تعالى-: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:65)، وقوله: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ) (المائدة:109)، فالرَّبُّ -تبارك وتعالى- يوم القيامة يسأل الأمم عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضًا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ): يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسَلين عمَّا بلَّغوا" (انتهى مِن كلامه رحمه الله).

وقال الله -عز وجل-: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقة:44-47)، فمقام النبوة وهو أشرف المقامات لا يُعفي صاحبه مِن المساءلة عند التقصير أو الانحراف، وإذا كان هذا في شأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو المعصوم؛ ففي شأن مَن دونه أولى.

والخلاصة: أنه لتنجح أي مؤسسة لا يصح أن توجد فيها سلطة أو صلاحية بلا مساءلة، ولا مساءلة بدون سلطة أو صلاحية.