إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 06 فبراير 2017 - 9 جمادى الأولى 1438هـ

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (12) استشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ثوار الأمصار يتحركون مِن مراكزهم لمهاجمة عثمان -رضي الله عنه-:

توجَّه معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- إلى عثمان -رضي الله عنه-، وعَرَض عليه أن يَذهب معه إلى بلاد الشام، وقال له: يا أمير المؤمنين, انطلق معي إلى الشام، قبْل أن يتكالب عليك هؤلاء، ويحدث ما لا قِبَل لكَ به.

قال عثمان: أنا لا أبيع جوار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشيءٍ، ولو كان فيه قطع خيط عنقي.

قال له معاوية: إذن أبعث لك جيشًا مِن أهل الشام يقيم في المدينة؛ ليدافع عنك وعن أهل المدينة.

قال عثمان: لا؛ حتى لا أٌضيِّق على جيران وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأرزاق بجند تساكنهم في المدينة.

واتفق أهل الفتنة على مهاجمة عثمان في المدينة، وحمله على التنازل عن الخلافة؛ وإلا يُقتل، وقرروا أن يأتوا مِن مراكزهم الثلاثة: "مصر - والكوفة - والبصرة" في موسم الحج، وأن يغادروا بلادهم مع الحجاج، وأن يكونوا في صورة الحجاج؛ فإذا وصلوا المدينة، تركوا الحجاج يذهبون إلى مكة لأداء مناسك الحج، واستغلوا فراغ المدينة مِن معظم أهلها الذين ذهبوا لأداء فريضة الحج، وقاموا بمحاصرة عثمان -رضي الله عنه- تمهيدًا لخلعه أو قتله(1)، وفي شوال سنة خمس وثلاثين كان أهل الفتنة على مشارف المدينة(2), بعد أن خرجوا مِن مصر في أربع طوائف، لكل طائفة أمير، ولهؤلاء الأمراء أمير ومعهم عبد الله بن سبأ، وكان عدد الطوائف الأربعة ألف رجل.

وخرجت فرقة أخرى مِن الكوفة في ألف رجل، في أربع طوائف أيضًا، وخرجت فرقة أخرى مِن البصرة في ألف رجل، في أربع طوائف أيضًا(3)، وكان أهل الفتنة مِن مصر يريدون علي بن أبي طالب خليفة، وكان أهل الفتنة مِن الكوفة يريدون الزبير بن العوام خليفة، وكان أهل الفتنة مِن البصرة يريدون طلحة بن عبيد الله(4)، وهذا العمل منهم كان بهدف الإيقاع بيْن الصحابة -رضوان الله عليهم-.

وبلغ خبر قدومهم عثمان -رضي الله عنه- قبْل وصولهم، وكان في قرية خارج المدينة، فلما سمعوا بوجوده فيها، اتجهوا إليه فاستقبلهم فيها، وكان أول مَن وصل فريق المصريين، فقالوا لعثمان: ادع بالمصحف فدعا به، فقالوا: افتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس بالسابعة، فقرأ حتى أتى هذه الآية: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (يونس:59)، فقالوا له: قف أرأيت ما حميت مِن الحمى؛ الله أذن لك أم على الله تفتري؟! فقال: نزلتْ في كذا وكذا؛ فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليتُ زادت إبل الصدقة؛ فزدتُ في الحمى لما زاد مِن إبل الصدقة، فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول نزلتْ في كذا فما يزيدون.

وتم الصلح بينهم وبين عثمان -رضي الله عنه- على شروط تم الاتفاق عليها بينهم وبينه، وكتبوا بذلك كتابًا، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين، وقد حضر هذا الصلح علي بن أبى طالب -رضي الله عنه-(5).

وبعد هذا الصلح وعودة أهل الأمصار جميعًا راضين تبيَّن لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلتْ، وأن أهدافهم الدنيئة لم تتحقق؛ لذا خططوا تخطيطًا آخر يشعل الفتنة ويحييها، وزوروا كتابًا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ففي أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكبًا على جمل يتعرض لهم، ويفارقهم يُظهر أنه هارب منهم، فقبضوا عليه، وقالوا له: ما لك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان -رضي الله عنه- وعليه خاتمه إلى عامله، ففتحوا الكتاب فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم، أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها، ونفى عثمان -رضي الله عنه- أن يكون كتب هذا الكتاب(6)، وقال لهم: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين مِن المسلمين أو يمين بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبتُ ولا أمليتُ، ولا علمتُ، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم، فلم يصدقوه، وقد أقسم لهم عثمان بأنه ما كتب هذا الكتاب(7).

وقد زور المجرمون كتبًا أخرى على علي، وعائشة، وطلحة، والزبير -رضي الله عنهم-؛ فهذا الكتاب الذي زعم هؤلاء المتمردون البغاة المنحرفون أنه مِن عثمان، وعليه خاتمه يحمله غلامه على واحدٍ مِن إبل الصدقة إلى عامله بمصر -ابن أبي السرح-، يأمر فيه بقتل هؤلاء الخارجين - هو كتاب مزور مكذوب على لسان عثمان -رضي الله عنه-(8).

ثم تمتْ عملية الحصار لعثمان -رضي الله عنه-، وبعد أن تم الحصار، وأحاط الخارجون على عثمان -رضي الله عنه- بالدار طلبوا منه خلع نفسه أو يقتلوه؛ فرفض عثمان -رضي الله عنه- خلع نفسه، وقال: لا أخلع سربالاً سربلنيه الله(9)، يشير إلى ما أوصاه به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينما كان قلة مِن الصحابة -رضوان الله عليهم- يرون خلاف ما ذهب إليه, وأشار عليه بعضهم بأن يخلع نفسه ليعصم دمه، ومِن هؤلاء المغيرة بن الأخنس -رضي الله عنه-، لكنه رفض ذلك.

ودخل ابن عمر على عثمان -رضي الله عنهما- أثناء حصاره، فقال له عثمان -رضي الله عنه-: انظر إلى ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلعها ولا تقتل نفسك، فقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: إذا خلعتها: أمخلد أنت في الدنيا؟ فقال عثمان -رضي الله عنه-: لا. قال: فإن لم تخلعها: هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال عثمان -رضي الله عنه- لا. قال: فهل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال لا. قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصًا قمَّصكه الله؛ فتكون سُنة كلما كرِه قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه!(10).

وبينما كان عثمان -رضي الله عنه- في داره، والقوم أمام الدار محاصروها دخل ذات يوم مدخل الدار، فسمع توعد المحاصرين له بالقتل، فخرج مِن المدخل، ودخل على مَن معه في الدار ولونه ممتقع -ممتقع الوجه: متغيرٌ لونُه مِن حزن أو فزع-، كما في حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، فقال: إِنَّهُمْ لَيَتَوَاعَدُونَنِي بِالْقَتْلِ آنِفًا، قَالَ: قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَلِمَ يَقْتُلُونَنِي؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِسْلَامٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ)، "فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا فِي إِسْلَامٍ قَطُّ، وَلَا أَحْبَبْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا مُنْذُ هَدَانِي اللَّهُ، وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا، فَبِمَ يَقْتُلُونَنِي؟" (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

ثم أشرف على المحاصرين وحاول تهدئة ثورتهم عن خروجهم على إمامهم.

وللحديث بقية -إن شاء الله تعالى-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصلابي، تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ص 370، نقلاً عن "الخلفاء الراشدون" للخالدي، ص159.

(2) محمد الخضر بك، إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء، طبعة المكتبة التجارية الكبرى، ص183.

(3) علاء الدين مغلطاوي بن قلنج بن عبد الله البكجري الحنفي، المتوفَّى (762هـ)، مختصر تاريخ الخلفاء، الناشر دار الفجر، طبعة عام 2001م، ص 69.

(4) الطبري، تاريخ الرسل والملوك (5/357).

(5) محمد بن عبد الله بن عبد القادر غبان الصبحي، فتنة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- (1/160).

(6) وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد أذِن له بالمجيء إلى المدينة، ويعلم أنه خرج مِن مصر، وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة، ومضمون الكِتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه، انظر: محب الدين الخطيب، العواصم من القواصم ص 110.

(7) ابن كثير، البداية والنهاية (7/ 191). وانظر: محمد غبان، المرجع السابق، ص161.

(8) ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354هـ) السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، صحّحه وعلق عليه الحافظ السيد عزيز بك، الناشر: الكتب الثقافية بيروت، الطبعة الثالثة 1417هـ - 1995م، (2/515).

(9) محمد يحيى الأندلسي، التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، ص47.

(10) أبو القاسم التيمى: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن على التيمي، توفي (535)، الخلفاء الأربعة أيامهم وسيرتهم، حققه: كرم حلمي فرحات أبو صيري، الناشر: مطبعة دار الكتب المصرية عام 1999، ص 171.