إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 04 فبراير 2017 - 7 جمادى الأولى 1438هـ

وثيقة المدينة مع اليهود... ملامح ومعالم (6)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن المعالِم المهمة في "وثيقة المدينة": أنها دلتْ على جواز اختصاص المعاهَدين بأرضٍ لهم في الدولة الإسلامية، وعلى هذا تدل الآيات الكريمة والأحاديث والسيرة.

قال الله -تعالى-: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحزاب:26-27).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) أي جعلها لكم مِن قَتْلِكُم لهم، (وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا) قيل: خيبر، وقيل: مكة، رواه مالك عن زيد بن أسلم، وقيل: فارس والروم، وقال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مرادًا. (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) روى الإمام أحمد عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: خرجت يوم الخندق أقفو الناس، فسمعتُ وئيد الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجَنَّه، قالت: فجلستُ إلى الأرض، فمَرّ سعد وعليه دِرع مِن حديد قد خرجتْ منه أطرافه، فأنا أتخوف أن أعتر في سعد، قالت: وقد كان سعد مِن أعظم الناس وأطولهم، قالت: فقُمت فاقتحمت حديقةً فإذا فيها نفر مِن المسلمين، وإذا فيها عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليهم تَسْبغَة له -تعني المِغْفَر- فقال عُمَر: ما جاء بكِ؟ لعمري والله إنك لجريئة! وما يُؤَمِّنك أن يكون بلاءٌ أو يكون تحوز؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذ، فدخلت فيها، فرفع الرجل التَسْبِغَة عن وجهه فإذا هو طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عُمَر، ويحك، إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله -تعالى-؟

قالت: ويرمي سعدًا رجلٌ مِن قريش -يقال له "ابْنُ الْعَرِقَةِ"- بسهم، وقال له: خُذْها وأنا ابْنُ الْعَرِقَةِ، فأصاب الأكحل منه فقطعه؛ فدعا اللهَ سعدٌ، فقال: اللهم لا تُمِتْني حتى تُقِرَّ عيني من قُرَيظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فَرَقَأَ كَلْمُهُ، وبعث الله الريح على المشركين، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا.

فلحق أبو سفيان ومَن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومَن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة وأمر بقُبَّةٍ مِن أَدَم فضُرِبت على سعد في المسجد.

قالت: فجاءه جبريل -عليه السلام- وإن على ثناياه لَنَقْع الغبار، فقال: أوقد وضعت السلاح؟! لا والله ما وضعت الملائكةُ بَعْدُ السلاح، اخرُج إلى بني قريظة فقاتِلْهم. قالت: فلبس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لَأْمَتَه، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمر على بني غُنم، وهم جيران المسجد حولَه، فقال لهم: من مَرَّ بكم؟ قالوا: مَرّ بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيتُة وسِنُّه ووجهه جبريل -عليه السلام-، فأتاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحاصَرَهم 25 ليلة.

فلما اشتد حصارهم، واشتد البلاء، قِيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح، قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: انزلوا على حكم سعد بن معاذ، فنَزَلوا.

وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى سعد بن معاذ، فأُتي به على حمار عليه إِكَاف مِن ليف قد حُمِل عليه، وحَفّ به قومه، وقالوا: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك، وأهل النكاية، ومَن قد علِمتَ. قالت: ولا يرجع إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا مِن دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي ألا أبالي في الله لومة لائم. قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قوموا إلى سيدكم فأنزِلوه، فقال عمر: سيدنا الله. قال: أنزِلوه. فأنزلوه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: احكُم فيهم. قال: فإني أحكُم فيهم أن تُقتَل مقاتِلَتُهم، وتُسبى ذراريهم، وتقسَّم أموالهم. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لقد حكمت فيهم بحكم الله، وحكم رسوله -صلى الله عليه وسلم-... " (انتهى مِن تفسير ابن كثير باختصار يسير).

فدَلَّت الآية الكريمة أن اليهود قبْل غدرهم كان لهم أرض وديار، ولم يكن المسلمون يتعرضون لهم في أرضهم وديارهم قبْل الغدر، وظاهر القرآن -بل نَصُّه-: أن اليهود كانت لهم حصون وأسلحة يُمكِنُهم القتال بها، فقوله -تعالى-: (مِنْ صَيَاصِيهِمْ): أي حصونهم التي تحصَّنوا فيها بعد الغزوة -غزوة الأحزاب- لِما علموا مِن غدرهم.

ووجود السلاح والحصون يدل عليه أمران:

1- ما ورد في الوثيقة -"وثيقة المدينة"- مِن أن بينهم النصر على مَن دَهَمَ يثرب؛ فالمقصود أن على كل أناس حِصَّتَهم مِن ناحيتهم، ولذلك لم يحفر النبي -صلى الله عليه وسلم- الخندق مِن جهة بني قريظة، التي كانت جنوب شرق المدينة؛ وذلك لأنهم مسئولون عن حمايتها والدفاع عن المدينة مِن ناحيتها، وحفَر الخندق شمال المدينة -الموضع الذي كان المشركون يريدون الدخول منه- وكان غدر اليهود بالتنسيق مع المشركين في الحرب ضد المسلمين.

2- أنه لما شَقّ عليهم الحصار عرض عليهم رئيسُهم كعب بن أسد، ثلاث خصال:

- إما أن يُسلِموا ويدخلوا مع محمد -صلى الله عليه وسلم- في دينه، فيأمنوا على دمائهم وأموالهم وأبنائهم ونسائهم، وقد قال لهم: "والله لقد تبين لكم أَنّه لَنَبِيٌّ مُرسَل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم".

- وإما أن يقتلوا ذراريهم ونساءهم بأيديهم، ويخرجوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بسيوفهم مُسْلطين -أي: مُجَرَّدة مِن أغمادها- يناجِزونه حتى يظفروا بهم، أو يُقتَلوا عن آخرهم.

- وإما أن يهجموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ويكبسوهم يوم السبت؛ لأنهم قد أمِنوا أن يقاتلوهم فيه.

فأبَوا أن يجيبوه إلى واحدة مِن هذه الخصال الثلاث، وحينئذٍ قال سَيّدهم كعب بن أسد في انزعاج وغضب: "ما بات رجلٌ منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة مِن الدهر حازمًا!" (راجع: البداية والنهاية - سيرة ابن هشام - زاد المِعاد - الرحيق المختوم).

والمقصود مِن هذا أن نعلم الحدود التي يمكن أن يكون عليها الصُّلح مع الكفار؛ لا أن كل الكفار المعاهَدين في كل زمان ومكان يُمَكَّنون مِن الحصون والسلاح؛ فإن ذلك -بلا شك- حسب المصلحة، وحسب قدرة المسلمين وحاجتهم إلى الصلح بمثل هذه الشروط؛ فليست كل الظروف والأحوال واحدة.

ولكن الحدود الواسعة في شروط الصلح التي لا يحتمل كثيرٌ مِن المسلمين أن يفكِّروا فيها مجرد تفكير -مع أن واقعهم أصعَب بكثير مِن حال النبي صلى الله عليه وسلم وواقِعِه-، نَقول: هذه الحدود قد فعَلها النبي -صلى الله عليه وسلم- وقَبِلَها المسلمون ضمن التوازنات الضرورية التي تمارسها الدولة الإسلامية حسب مصلحتها.