إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 02 يناير 2017 - 4 ربيع الثاني 1438هـ

صفحات من ذاكرة التاريخ (7) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا ونحن نتأمل حال الثورات عبْر مراحل التاريخ الإسلامي نعرض المآخذ التي أخذها المجرمون الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ونبين الرد عليها.

ومِن هذه المآخذ:

- أنهم قالوا: إن عثمان -رضي الله عنه- أعطى مروان بن الحكم خمس إفريقية! وهذا لم يصح، والذي صح هو إعطاؤه خمس الخمس لعبد الله بن أبي سرح جزاء جهاده المشكور، ثم عاد فاسترده منه.

جاء في حوادث سنة 27 مِن تاريخ الطبري أن عثمان -رضي الله عنه- لما أمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالزحف مِن مصر على تونس لفتحها قال له: "إن فتحَ الله عليك غدًا إفريقية؛ فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس مِن الغنيمة نفلاً". فخرج بجيشه حتى قطعوا أرض مصر وأوغلوا في أرض إفريقية وفتحوها؛ سهلها وجبلها، وقسَّم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم، وأخذ خمس الخمس، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع وثيمة النصري. فشكا وفد ممن معه إلى عثمان ما أخذه عبد الله بن سعد، فقال لهم عثمان: أنا أمرت له بذلك، فإن سخطتم فهو رد. قالوا: إنا نسخطه. فأمر عثمان عبد الله بن سعد بأن يرده فرده. ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح إفريقية".

- قال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وقد ثبت في السُّنة تنفيل أهل الغناء والبأس في الجهاد، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكافأة سلمة بن الأكوع في إغارة عبد الرحمن الفزاري على سرح النبي -صلى الله عليه وسلم-" اهـ.

- وقال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وقد ذهب مالك وجماعة إلى أن الإمام يرى رأيه في الخمس، وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وأن إعطاءه لواحد جائز" اهـ.

إذن فهذا الأمر جائز شرعًا، وفعله مَن هو خير مِن عثمان -رضي الله عنه-؛ فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفعله أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، وفعله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأقطعوا القطائع والأعطيات لبعض الناس، إما ترغيبًا لهم، وتأليفًا لقلوبهم، وإما جزاءً لهم على حسن البلاء، وقد ذكر أبو يوسف الكثير مِن هذه الأمثلة في كتابه "الخراج".

- وقالوا: كان عمر -رضي الله عنه- يضرب بالدرة، وضرب هو بالعصا.

والدرة: "عصا صغيرة يحملها السلطان يزع بها"، وهذه مِن المآخذ التي أخذوها على عثمان -رضي الله عنه-، وهذا الأمر ليس له أصل، ولا سند، ولا يصح فيه خبر واحد، ولو صح ذلك؛ فللإمام أن يؤدب ويعزر بما يراه مناسبًا للأحوال.

- وقالوا: إن عثمان علا على درجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد نزل عنها أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-.

- قال القاضي ابن العربي -رحمه الله- في العواصم مِن القواصم: "لا يصح لهذه الرواية إسناد، ولو صح إسنادها فلم ينكر عليه أحدٌ مِن الصحابة هذا الأمر، ولو كانوا أنكروه فلا يحل ذلك دمه بحال مِن الأحوال".

- وقال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "كان مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضيق المساحة في عصر النبوة، وخلافة أبي بكر، وكان مِن مناقب عثمان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما زاد عدد الصحابة أن اشترى مِن ماله مساحة مِن الأرض وسع بها المسجد النبوي، ثم وسعه أمير المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب، ثم ازداد عدد المصلين بازدياد عدد سكان المدينة وقاصديها؛ فوسعه أمير المؤمنين عثمان مرة أخرى، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجدد بناءه. فاتساع المسجد وازدياد غاشيته وبُعد أمكنة بعضهم عن منبر الخطابة يجوز أن يكون مِن ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه" اهـ. هذا إن صحت الرواية القائلة بأنه علا على الدرجة التي كان يقف عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي لا تصح -كما ذكرنا آنفًا-.

- قالوا: ولم يحضر بدرًا، وانهزم يوم أحد، وانهزم يوم حنين، وغاب عن بيعة الرضوان.

والرد على هذه التهم هو ما أخرجه البخاري مِن حديث عثمان بن عبد الله بن موهب قال: "جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ حَجَّ البَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلاَءِ القَوْمُ؟ فَقَالُوا: هَؤُلاَءِ قُرَيْشٌ، قَالَ: فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ، إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَسَهْمَهُ) وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عُثْمَانَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِهِ اليُمْنَى: (هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ). فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: (هَذِهِ لِعُثْمَانَ) فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ".

- وفي تاريخ الطبري: "وقد بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- ببشرى النصر في بدر مع زيد بن حارثة إلى عثمان في المدينة، قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي كانت عند عثمان بن عفان، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلفني عليها مع عثمان" اهـ.

والذي حدث في بيعة الرضوان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبْل أن يبعث عثمان -رضي الله عنه- دعا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال عمر: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، ولكني أدلك على رجل هو أعز مني فيها: عثمان بن عفان. فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش.

- قال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وحينئذٍ كان لعثمان الشرف المضاعف بأن يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نابت عن يده في عقد البيعة عنه؛ فبيعة الرضوان كانت انتصارًا لعثمان، وجميع الصحابة بايعوا بأيدي أنفسهم إلا عثمان -رضي الله عنه- فإن أشرف يد بالوجود نابت عن يده في إعطاء بيعته، ولو لم يكن لعثمان مِن الشرف في حياته كلها إلا هذا لكفاه" اهـ.

وأما عن يوم "حنين": فلم يبقَ إلا نفر يسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو أمر قد اشترك فيه الصحابة، وقد عفا الله عنه ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

- قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "فلا يحل ذكرُ ما أسقطه الله ورسوله والمؤمنون".

وأود أن أشير إلى خطورة نشر الأخبار الكاذبة والإشاعات المغرضة بيْن الناس، وخطورة ذلك على المجتمع؛ فنشر الأخبار الكاذبة واستقرارها في نفوس البعض وتصديقها بلا دليل ولا برهان يؤدي إلى وقوع البغضاء والكره؛ فالإعلام الذي كان في عهد أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- والذي كان يحركه السبئية وغيرهم مِن المنافقين نجح في تهييج مشاعر بعض أفراد المجتمع ضد أمير المؤمنين -رضي الله عنه- حتى وصل الأمر إلى صعوبة قبول الحق لو كان مع عثمان -رضي الله عنه-، جاء في صحيح البخاري عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ عُثْمَانَ، فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ، قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ، -أي ألصقه بالرغام وهو التراب وهو كناية عن الذل والإهانة- ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ، قَالَ: هُوَ ذَاكَ بَيْتُهُ، أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أي يشير بذلك إلى منزلته عند النبي -صلى الله عليه وسلم-"، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ، انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ". أي: اذهب مِن عندي واعمل في حقي ما تستطيعه وتقدر عليه؛ فإني لا أبالي بعد قولي بالحق.

فهذه التهم والمظالم والمناكير التي وقعت في نفوس بعض أفراد المجتمع واستقرت؛ كان لها أثر واضح في كراهية البعض لعثمان -رضي الله عنه- والخروج عليه وقتله؛ فوجب علينا أن نحذر مِن ذلك، وأن نحذر الناس.

والله المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.

- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.