إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 04 ديسمبر 2016 - 5 ربيع الأول 1438هـ

الحقيقة والمجاز في صفات الله -تعالى- (7)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "المقام الثاني -في الرد على من زعم أن الله -تعالى- ليس له يد زائدة على الصفات السبع- أن يُقال: هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد، وأن يعني بها القدرة أو النعمة، أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل، لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة؟

فإن قلتَ: لأن اليد هي الجارحة، وذلك ممتنع على الله -سبحانه-.

قلتُ لكَ: هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدًا مِن جنس أيدي المخلوقين، وهذا لا ريب فيه، لكن لمَ لا يجوز أن يكون له (يد) تناسب ذاته تستحق مِن صفات الكمال ما تستحق الذات؟! قال: ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا، قلتُ: فإذا كان هذا ممكنًا -وهو حقيقة اللفظ- فلمَ يصرف عنه اللفظ إلى مَجازِه؟! وكل ما يذكره الخصم مِن دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به -وصحت الدلالة- سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتفٍ عنه، وإنما حقيقة اللفظ وظاهره (يد) يستحقها الخالق (كالعلم والقدرة)، بل كالذات والوجود.

المقام الثالث: قلتُ له: بلغك أن في كتاب الله أو سُنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو عن أحد مِن أئمة المسلمين أنهم قالوا: (المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد؟) أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه باليد دلالة ظاهرة، بل أو دلالة خَفِيّة؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص:1)، وقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى:11)، وقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم:65)، وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه، أما انتفاء يد تليق بجلاله؛ فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه مِن الوجوه.

وكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا (يد) له ألبتة؛ لا (يدًا) تليق بجلاله، ولا (يدًا) تناسب المحدثات؟ وهل فيه ما يدل على ذلك أصلاً ولو بوجه خفي؟! فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد ألبتة، وإن فرض ما ينافيها فإنما هو مِن الوجوه الخفية -عند مَن يدعي-؛ وإلا ففي الحقيقة إنما هو شبهة فاسدة.

فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسُّنة مِن ذكر اليد، وأن الله تعالى خَلَق بيده، وأن "يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ"، وأن المُلك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأولي الأمر لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا يُراد به حقيقته و ظاهره، حتى ينشأ "جهم بن صفوان" بعد انقراض عصر الصحابة، فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيِّهم، ويتبعه عليه "بشر بن غياث" ومَن سلك سبيلهم مِن كل مغموصٍ عليه بالنفاق؟!

وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- كل شيء حتى الخراءة، ويقول: "ما تركتُ مِن شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به"، "تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"، ثم يَترك الكتاب المنزل عليه، وسُنّته الغرّاء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهرِه ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه؟!

وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: أمِرّوها كما جاءت مع أن معناها المجازي هو المراد، وهو شيء لا يفهمه العرب، حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب مِن أبناء المهاجرين والأنصار؟!

المقام الرابع: قلتُ له: أنا أذكر لك مِن الأدلة الجليّة القاطعة والظاهرة ما يبين لك أن لله يدين حقيقة.

فمن ذلك تفضيله لآدم: يستوجب سجود الملائكة، وامتناعهم عن التكبر عليه؛ فلو كان المراد أنه خلقه بقدرته أو بنعمته، أو مجرد إضافة خلقِه إليه، لشاركه في ذلك إبليس وجميع المخلوقات.

قال لي: فقد يضاف الشيء إلى الله على سبيل التشريف، كقوله: (نَاقَةُ اللَّهِ) (الشمس:13)، و"بيت الله".

قلتُ له: لا تكون الإضافة تشريفًا حتى يكون في المضاف معنى أُفرِد به عن غيره؛ فلو لم يكن في الناقة والبيت مِن الآيات البيّنات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة، والأمر هنا كذلك، فإضافة خلق آدم إليه أنه خلقه بيديه يوجب أن يكون قد فعله بيديه، وخلق هؤلاء بقوله: "كُنْ فيكون"، كما جاءت به الآثار.

ومن ذلك أنهم إذا قالوا: "بيدِه المُلك"، أو "عملته يداك"، فهما شيئان: أحدهما: -إثبات اليد. والثاني: إضافة الملك والعمل إليها. والثاني يقع فيه التجوز كثيرًا، أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون، يد الهوى ولا يد الماء، فهب أن قوله: "بِيَدِه المُلك" قد عُلم منه المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة.

والفرق بيْن قوله -تعالى-: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص:75)، وقوله: (ممَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) (يس:71)، مِن وجهين:

أحدهما: أنه هنا أضاف الفعل إليه وبيَّن أنه خلقه بيديه، وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي.

الثاني: أن مِن لغة العرب أنه يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، كقوله -تعالى-: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا) (المائدة:38)، أي يديهما، وكقوله: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) (التحريم:4)، أي قلباكما، فكذلك قوله: (مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) (يس:71).

وأما السُّنّة فكثيرة جدًّا، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) (رواه مسلم)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الفَيْضُ -أَوِ القَبْضُ- يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ) (متفق عليه).

وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها –أي: يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي- الجبارُ بيده كما يتكفأ أحدكم بيده خبزته في السفر) (رواه البخاري ومسلم).

وفي الصحيح أيضًا عن ابن عمر يحكي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يأخذ الربّ -عزّ وجلّ- سمواته وأرضَه بيديه -وجعل يقبض يديه ويبسطهما- ويقول: أنا الرحمن، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفلَ منه، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله؟) (رواه مسلم). وفي رواية: أنه قرأ هذه الآية على المنبر: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (الزمر:67)، وقال: (يقول: أنا الله، أنا الجبار) وذكره. (رواه مسلم).

وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟) وما يوافق هذا من حديث الحبر. رواه البخاري ومسلم.

وفي حديث صحيح: (إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وفي الصحيح: (إن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق: إن رحمتي تغلِب غضبي) (رواه البخاري ومسلم).

وفي الصحيح: أنه لما تحاج آدم وموسى: (قال آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، وقد قال له موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه) (رواه البخاري ومسلم).

وفي حديث آخر: أنه قال -سبحانه-: "وعزتي وجلالي، لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان" (حديث ضعيف).

وفي حديث آخر في السنن: (لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال: خلقت هؤلاء للنار، ويعمل أهل النار يعملون) (رواه أبو داوود والترمذي، وصححه الألباني).

فذكرت له هذه الأحاديث وغيرها، ثم قلتُ له: هل تقبل هذه الأحاديث تأويلاً أم هي نصوص قاطعة؟ وهذه أحاديث تلقّتها الأمة بالقبول والتصديق ونقلتها مِن بحر غزير، فأظهر الرجل التوبة وتبين له الحق.

فهذا الذي أشرت إليه -أحسن الله إليك- أن أكتبه، وهذا باب واسع (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) (النور:40)، (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) (الكهف:17).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى أهل البيت، ومَن تعرفونه مِن أهل المدينة وسائر أهل البلدة الطيبة"

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.