إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 04 ديسمبر 2016 - 5 ربيع الأول 1438هـ

العمل المؤسسي - مقدمة وتعريف (1)

كتبه/ أحمد عبد الحميد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيمكنك ببساطة وبلا مبالغة أن تقول إننا نعيش زمن المؤسسية في كافة مجالات الحياة بتعقيداتها وتشابكها، والواقع العملي خير شاهد على ذلك، حيث ينتقل الفرد في مراحل حياته المختلفة بيْن مؤسسات تسلمه إحداها إلى الأخرى بحيث لو أراد أن يستقل بحياته العملية أو كسبه المادي أو عمله الخيري التطوعي بعيدًا عن سيطرة المؤسسات؛ فسيجد صعوبة بالغة تصل إلى الاستحالة!

وحالة العمل الإسلامي بصفة عامة -والعمل السلفي بصفة خاصة- شهدت جدليات مرهقة لمدة طويلة بيْن اختيار العمل الفردي أو العمل الجماعي المؤسسي؛ نشأت نتيجة ضعف العلم الشرعي والعلم بالواقع، خاصة مع القهر والتضييق ومحاولات التقزيم التي عانى منها العمل الإسلامي لمدة طويلة؛ مما جعل الكثيرين ينكفئون على ذواتهم، أو مجموعاتهم الضيقة -في أحسن الأحوال- إما استسلامًا لما مورس ضدهم مِن قهر، أو تغليبًا للميول الفردية عند بعض قادة الرأي الإسلامي، أو استسهالاً في علاج مشكلات العمل الجماعي التي لا يخلو منها أي تجمع بشري؛ فتوجهوا لمحاربة العمل الجماعي باحثين عن أية أدلة شرعية أو تجارب تاريخية تدعم اختيارهم حتى لو ثبت خطأ هذا الاختيار في كل مرة يتم القضاء فيها على أية مبادرات إصلاحية لواقع الأمة المرير في الوقت الذي يطوِّر فيه أعداء الأمة أدوات قوتهم وأسباب تغلبهم، ومِن أهمها: الاهتمام بجماعية عملهم، وتطوير أدوات إنفاذ مخططاتهم الفكرية والعسكرية.

- إن الشرع والفطرة والواقع المُعاش يحكمون بنشاز الفكر الفردي التفتيتي الذي يخدم مخططات أعداء الأمة بإهدار مواردها وطاقتها الهائلة في شتى البقاع؛ فالعمل الجماعي المؤسسي يحقق التعاون والجماعية التي حث عليها القرآن والسُّنة، كما في قول الله -تعالى-: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2)، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَدُ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) (متفق عليه).

- كما أنه يحفظ للأمة خيريتها النابعة مِن تعاونها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في قوله -تعالى-: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110)، وينفي عنها خطر الفرقة والتشرذم واستحواذ الشيطان، كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ) (رواه أبو داود والنسائي، وحسنه الألباني)، وفي رواية أخرى عند الترمذي في سننه بسندٍ صحيح: (عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ)، وقول الله -تعالى-: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (آل عمران:105).

تعريف المؤسسية:

يمكن تعريف العمل المؤسسي بأنه:

- (شكل مِن أشكال التعبير عن العمل التعاوني بيْن الناس، والميل بقبول العمل الجماعي وممارسته، شكلاً ومضمونًا، نصًّا وروحًا، وأداء العمل بشكل منسق قائم على أسسٍ ومبادئ وأركان، وقيم تنظيمية محددة).

- (التجمع المنظم بلوائح، يُوزَّع العمل فيه على إدارات متخصصة ولجانٍ، وفِرَق عمل؛ بحيث تكون مرجعية القرارات فيه لمجلس الإدارة، أو الإدارات في دوائر اختصاصاتها؛ أي أنها تنبثق مِن مبدأ الشورى الذي هو أهم مبدأ في العمل المؤسسي).

- (كل تجمع منظَّم يهدف إلى تحسين الأداء وفعالية العمل لبلوغ أهداف محددة، ويقوم بتوزيع العمل على لجان كبيرة، وفِرَق عمل، وإدارات متخصصة؛ بحيث تكون لها المرجعية وحرية اتخاذ القرارات؛ كلٌّ في دائرة اختصاصاته).

- إن رفع شعار المؤسسية وممارسة بعض صورها والتحلي ببعض سماتها لا يعني أن العمل يتم بشكل مؤسسي على الحقيقة؛ إلا إذا توفرت به كافة السمات التي تنقله مِن ضيق الفردية، ومحدوديتها، ونزعاتها، إلى رَحَابة العمل الجماعي المدرك لإمكانيات وموارد أفراده، وينظم الاستفادة منها وتطويرها وتنميتها، ويحافظ على استمرارية العمل وبقائه في مواجهة التحديات الدائمة، والتي مِن أخطرها: ندرة نموذج القائد الفذ الذي تجتمع حوله النفوس ثم تتفرق بموته أو ضعفه أو انتقاله أو توقفه أو حتى انحرافه عن رشده، بل إن المجموعات التي تعتمد المؤسسية كأسلوب عمل مهددة في بقائها ذاته ما لم تقس بِنْيتها التنظيمية ولوائحها وإجراءاتها وأساليب تنميتها وتطويرها وفق ما تم الاستقرار عليه مِن سمات لازمة لأي عمل مؤسسي.

وفي ضوء التعريفات السابقة وما استقرت عليه الخبرات المتراكمة للبشر؛ نتناول -إن شاء الله- في الحلقات القادمة أهم سمات العمل المؤسسي، ومعاييره التي يعتمد عليها؛ توكلاً على الله -عز وجل- في تطوير عملنا الدعوي، وأدائنا لرسالتنا، والأمانة التي تصدينا لها، والله يوفقنا والمسلمين لما يحبه ويرضاه.