إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 29 نوفمبر 2016 - 29 صفر 1438هـ

تركيا التي لا نعرفها (14)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

حركة طلاب النور (النورسية):

هي حركة دينية تميل إلى التصوف، سلكت طريق التربية وحفظ الإيمان في النفوس في مواجهة المدّ العلماني الماسوني الذي ساد تركيا بعد استيلاء "كمال أتاتورك" على الحكم، وإسقاطه الخلافة الإسلامية.

أسسها الشيخ "سعيد النورسي"، والذي وُلِد عام 1873م مِن أبوين كرديين في قرية (نورس) في مقاطعة (هزان) شرق الأناضول، ظهرت عليه علامات الذكاء والنجابة مِن صغره؛ حفظ القرآن، وألمّ بالعلوم الدينية وجانبٍ كبير مِن العلوم الدنيوية، وعُرف بالرماية والمصارعة وركوب الخيل، وأخذ نفسه بالزهد والتقشف.

بدأ دعوته الإرشادية التربوية في عام 1892م، وعمل بالتدريس في مدينة (وان)، وتعمق في العلوم والرياضيات والفلسفة والتاريخ، وألـَّف في بعضها، فأُطلق عليه لقب (بديع الزمان!)؛ لسعة علمه.

انتقل إلى إستانبول عام 1896م، بعد إطاحة جمعية (الاتحاد والترقي) بالسلطان عبد الحميد عام 1908م، وشارك في تكوين جمعية (الاتحاد المحمدي) المعنية بكشف حقيقة (الاتحاد والترقي) الماسونية؛ مما استعدى الاتحاديين عليه، ومعاداتهم لدعوته.

انتقل إلى سوريا عام 1911م، وله خطبة شهيرة (الخطبة الشامية) في المسجد الأموي حول أسباب تخلف المسلمين، وساعد في الجيش التركي خلال الحرب الأولى، وقبض عليه الروس ونفوه إلى سيبيريا، لكنه هرب وعاد إلى تركيا، ومُنِح وسام الحرب.

وفي أعقاب إسقاط الخلافة عام 1923م غادر الشيخ أنقرة إلى (وان)، وَكَرّس دعوته لمقاومة المد العلماني في تركيا، بعيدًا عن السياسة مِن خلال الدعوة السلمية إلى مجاهدة النفس وإصلاح القلوب، وإيقاظ العقيدة الإسلامية، وتصحيح الفكر، مع تجنب الدخول في معارك مع المخالفين حكاما ومحكومين، حيث ألف أكثر مِن 130 رسالة عالج فيها المشكلات الدينية والروحية والعقلية، انطلاقًا مِن القرآن وتفسيره، تعد هي فكر حركته، وقد اعتنى أتباعه -خاصة مِن الشباب- بنشرها في ظل ظروف صعبة تعادي أي مظهر مِن المظاهر الإسلامية، وله مؤلَّف باللغة العربية باسم (إشارات الإعجاز في مظان المجاز).

وقد حاول "أتاتورك" عام 1938م استمالته، فعرض عليه قصرًا فخمًا ومناصب عليا، لكنه رفض ذلك منصرفًا عن السياسة، متفرغًا للتربية والعبادة.

وقد حاربه العلمانيون بشدة بسبب دعوته، وقُدِّم للمحاكمة مرات عديدة بتهم، منها: العمل على هدم الدولة العلمانية الكمالية، وإثارة روح التدين في تركيا، وتأليف جمعية سِرّية، والتهجم على كمال أتاتورك.

فتصدى لهذه التهم والمحاكمات بمنطق بليغ زاد مِن أتباعه، لكنه عانى مِن التعذيب والسجن والنفي، وصدرت ضده أحكام بالإعدام، ولكنها لم تُنَفّذ خشية ثورة أتباعه، وقد بلغ أتباعه في تركيا ما يزيد عن نصف مليون شخص، وصار له أنصار في باكستان والهند، وأسس الطلاب الأتراك في أمريكا معهدًا باسم (معهد رسائل النور)، لكن أتباعه في تركيا لم تسمح الظروف المحيطة بهم بتأسيس عمل إسلامي منظم.

عاش آخر عمره في (إسبارطة) منعزلاً عن الناس. ثم توفي رحمه الله في 1960م.

الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو 2016م:

فوجئ العالم في مساء الجمعة 15-7- 2016م -ليلة السبت- بنَبَإٍ قادم مِن تركيا يفيد تحرك مجموعة مِن الجيش معها دبابات وطائرات، هاجم بعضها مقر المخابرات التركية ومَبانٍ تابعة للجيش، بينما سيطر البعض الآخر على جسر مهم في إسطنبول، وتوجهت دبابات لمحاصرة البرلمان.

وتم إذاعة بيان عبر التليفزيون الرسمي بتولي الجيش للسلطة في البلاد، وتعيين (مجلس سلام) يتولى الحكم، مع تعليق العمل بالدستور، وفرض الأحكام العرفية، أي وقوع الانقلاب العسكري الخامس في البلاد، وبعد اشتباكات دامية -شهدت إطلاق نار وفوضى- لم تستمر إلا ساعات قليلة، أعلن عن إحباط هذا الانقلاب.

(أكين أوزتورك) المتهم بتدبير الانقلاب:

اتُّهم "أوزتورك" بأنه العقل المدبر للانقلاب، والذي أعطى إشارة البدء بالتحرك.

كان يرأس سلاح الجو التركي، وأثيرت الشكوك حول علاقته بالمعارِض (فتح الله كولن) منذ نحو عام، وتم اعتقاله مع فشل الانقلاب، واحتجازه بوحدة مكافحة الإرهاب في (أنقرة).

"أوزتورك" مِن مواليد عام 1952م، التحق بالكلية الجوية عام 1970م، وتخرج عام 1973م، وتدرج في المناصب داخل سلاح الجو التركي، وتولى منصب الملحق العسكري التركي في إسرائيل بين عامي 1998م - 2000م، وحصل على رتبة جنرال عام 2013م، ورَأَس القوات الجوية حتى أغسطس 2015م، وأصبح عضوًا بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة التركية، حيث كان مِن المقرر أن يُحال للتقاعد نهاية أغسطس 2016م.

نال العديد مِن الأوسمة، منها: وسام الناتو، ووسام الاستحقاق، مِن سلاح الجو التركي، ووسام امتياز مِن باكستان.

العقيد (محرم كوسا) مُنَفِّذ الانقلاب:

هو المستشار القانوني لرئيس أركان الجيش التركي، نجح في إقناع عددٍ مِن كبار ضباط الجيش بالمعاونة في الانقلاب، ثم فاجأ رئيس الأركان (خلوصي آكار) بالأمر، طالبًا منه دعم الحركة، وإعطاء الأوامر بجعل التحرك يشمل الجيش بأكمله، ولكن "خلوصي" رفض، فاعتقله الانقلابيون لمنعه مِن إصدار أوامر مضادة للانقلاب، وفقد بالتالي الاتصال مع السلطات الرسمية.

(خلوصي آكار) رئيس أركان الجيش:

ولد خلوصي عام 1952م، والتحق بالمدرسة البرية العسكرية، وتخرج عام 1973م في سلاح المشاة، صار قائدًا للقوات البرية حتى عام 1980م، وأنهى دراسته بالأكاديمية العسكرية الحربية عام 1982م.

تقلد منصب قائد سلاح المشاة بفرع الأمن الداخلي، وشغل منصب رئيس دائرة التخطيط والمبادئ الحربية بحلف شمال الأطلنطي (الناتو)، ثم أصبح قائدًا لمدرسة سلاح البر الحربية، ثم أصبح عام 2007م قائدًا للقوات البرية التركية، ثم رُقي إلى رتبة فريق أول عام 2011م، وأصبح النائب الثاني لرئيس أركان الجيش التركي، تم اختياره من مجلس الشورى العسكري لمنصب رئيس أركان الجيش في 2013م.

اتّسم بالوطنية، والقدرة على اتخاذ القرارات السريعة الحاسمة، مع هيبة عسكرية؛ لذا لُقِّب بلقب (سيري باشا).

(أوميت دوندار) رئيس هيئة أركان الجيش بالوكالة:

قائد الجيش الأول ورئيس هيئة الأركان بالوكالة، قام بدور هام في إفشال الانقلاب، حيث اتصل بـ"أردوغان" قبْل ساعة واحدة مِن الانقلاب وأبلغه عن بدء تحرك الانقلابيين، وضرورة تغيير مكان وجوده، وأنه إلى جانبه؛ لأنه الرئيس الشرعي للبلاد، ودعاه إلى التوجه إلى إسطنبول، وأنه سيؤمن له طريق الوصول، والإقامة هناك، مما سمح للرئيس بالتحرك مِن مكان إقامته قبْل اقتحامه بدقائق.

ولد "دوندار" عام 1955م، التحق بالأكاديمية الحربية، تخرج برتبة ملازم أول عام 1975م، عاد للدراسة بالأكاديمية العسكرية مجددًا عام 1983م، وتخرج منها عام 1985م برتبة ضابط صف.

عمل قائدًا لوحدة الميكانيكا بهيئة القيادة والإدارة اللوجيستية التابعة للقوات المدرعة، ثم انتقل للخدمة بالقوات البرية، حيث عمل سكرتيرًا للأمانة العامة، ثم موظفـًا بالهيئة العامة للتخطيط الإستراتيجي التابعة لإدارة هيئة الأركان. ثم التحق بكتيبة المشاة، ثم عمل ملحقـًا عسكريًّا لسفارة تركيا بلندن، ثم عاد للعمل في شعبة تخطيط وإدارة العمليات المسلحة، وتولى قيادة حرس الحدود.

وترقى إلى رتبة قائد لواء في قسم الإنشاءات والعقار والبنية التحتية العسكرية التابعة للناتو، ثم ترقى إلى رتبة فريق عام 2009م، وعمل قائدًا للجيش الخامس، ثم مستشارًا بوزارة الدفاع، ثم ترقى إلى رتبة جنرال عام 2013م، وأصبح قائدًا للجيش الثالث، ثم قائدًا للجيش الأول عام 2015م، وأصبح رئيسًا لهيئة الأركان بالوكالة فترة محاولة الانقلاب.

(هاكان فيدان) رئيس الاستخبارات التركية:

تُلَقِّبه وسائل الإعلام التركية بـ(حافظ أسرار "أردوغان")، و(يد "أردوغان" الضاربة)، ويصفه البعض بالثعلب التركي أو الجندي المجهول، ويُقال أنه صاحب فكرة توجه "أردوغان" بالحديث مباشرة إلى الشعب طالبًا منه مقاومة الانقلاب.

وقد شهد جهاز الاستخبارات في عهده تعديلات ونقلة نوعية كبيرة، ليصبح أحد أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم، وأقنع "أردوغان" بتجميع أجهزة المخابرات الخارجية والأمن والجيش تحت قيادة جهاز المخابرات العامة المركزية، الأمر الذي أزعج الأوساط في الأمن والجيش.

ولد "فيدان" في أنقرة عام 1968م، وتخرج مِن الأكاديمية الحربية البرية (مدرسة قوات المشاة المحاربة) عام 1986م، عمل بيْن عامي 1986م و2001م في وحدة التدخل السريع التابعة لحلف شمال الأطلنطي، وفي صفوف فرع جمع المعلومات السرية في ألمانيا.

نال البكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة مِن جامعة ميرلاند الأمريكية، ثم الماجستير في العلاقات الدولية مِن جامعة بيلكنت في أنقرة، ثم الدكتوراه عام 2006م مِن نفس الجامعة، وتابع دراسته في عددٍ مِن المؤسسات والمعاهد، منها: معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح، والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

عمل "فني حاسوبات" داخل القوات البرية التركية، وشغل منصب مستشار اقتصادي وسياسي في سفارة تركيا بأستراليا، وترأس وكالة التنمية والتنسيق التركية عام 2003م.

عمل مستشارًا لوزير الخارجية (داود أوغلو)، ثم نائبًا لمستشار رئيس الوزراء لشئون الأمن الدولي والسياسة الخارجية، وعمل عضوًا بالمجلس الإداري للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي أبريل 2009م صار نائبًا لرئيس الاستخبارات التركية، وعند تقاعد رئيس الاستخبارات حل محله في مايو عام 2010م، وعمره 42 عامًا، عقب الهجوم الإسرائيلي على سفينة مرمرة.

كيف فشل الانقلاب؟

غادر "أردوغان" مكان إقامته قبل وصول الانقلابيين إليه، وخاطب الشعب التركي وأنصاره عبر "سكايب" في مداخلات أجراها لوسائل الإعلام ومحطات التليفزيون؛ ليطالبهم بالنزول إلى الشوارع، رفضًا للانقلاب ومواجهةً لقواته مع عناصر الشرطة والأمن، وقد لبّى الشعب -بكل طوائفه- دعوة "أردوغان"، ووقعت مواجهات دموية مع جنود الانقلاب في الشوارع حتى زال خطرهم.

وأعلن رئيس الوزراء (ابن علي يلدريم) -بعد ساعات قليلة- فشل المحاولة الانقلابية، مؤكدًا استعادة السيطرة على الأمن في البلاد، وأشارت الاستخبارات التركية إلى عودة الأوضاع إلى طبيعتها، وتوعد "أردوغان" محاولي الانقلاب بأنهم سيدفعون ثمنًا باهظـًا أمام القضاء التركي.