إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 24 نوفمبر 2016 - 24 صفر 1438هـ

الصبر على العافية

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

- فالعافية لغة: اسم وُضع موضع المصدر، يُقال: عافاه الله عافية. وهي دفاع الله عن العبد كلّ مكروه مِن سُقم أو بلّية، والمعافاة مفاعلة مِن العفو، وهي أن يعافيك الله مِن الناس ويعافيهم منك. أي: يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك، ويصرف أذاك عنهم (مختار الصحاح، ولسان العرب).

- أي: هي السلامة، والسلامة لا يعادلها شيء؛ السلامة في الظاهر والباطن، والدين والدنيا.

- ومَن أُعطي العافية سعد في الدنيا، وأفلح ونجح في الآخرة؛ لذلك فهي مِن النِّعم؛ بل أجلُّ نعمة أُوتيها العبد بعد اليقين، فعن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: (اسْأَلُوا اللَّهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

- وتواتر عنه -صلى الله عليه وسلم- سؤال ربه -تعالى- العافية؛ وهو مَن هو؛ أتقانا لله، وأشدنا له خشية؛ لتقتدي الأمة به في ذلك، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي) (رواه أبو داوود، وصححه الألباني).

- وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أيضًا قال: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ) (رواه مسلم).

- وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: (اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) (رواه مسلم).

- وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يقتدون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في سؤال الله العافية، كما سبق عن أبي بكر -رضي الله عنه-، ولما حجّ عمر -رضي الله عنه- كان لسانه يلهج بسؤال العافية: "ربِّ عافني واعفُ عني".

- وينبغي لنا أن يلهج لساننا بسؤال الله العافية، في الدين والدنيا والأهل والمال، في أوقاتنا هذه التي تشتد فيها الفتن والبلايا، فإنه (لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ) (رواه البخاري)، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني).

- وبيْن يدي الساعة اشتداد الفتن كما قال الله -تعالى-: (إِنَّ السَّاعَة لَآتِيَة لَا رَيْب فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يُؤْمِنُونَ) (غافر:59). قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أشهب، حدثنا مالك، عن شيخ قديم من أهل اليمن -قدِم مِن ثم- قال: "سمعتُ أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس، واشتد حرُّ الشمس" (رواه ابن أبي حاتم، وسنده صحيح إلى الإمام مالك)، ويصدق أوله أحاديث كثيرة عنه -صلى الله عليه وسلم- في الفتن والملاحم قرب وقوع الساعة.

- وينبغي أن يأخذ بأسباب العافية والسلامة مِن الفتن مِن صدق الإيمان بالله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والإخلاص، والصبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى أقدار الله المؤلمة، ومراعاة عبادات القلوب وزيادتها، وطلب العلم النافع -علم الكتاب والسُّنة- والعمل بما تعلمه، وتعليمه لغيره، فلا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر، وكثرة تلاوة القراّن بالتدبر، واللهج بذكر الله، وإيواء القلب في وطن الآخرة والمحافظة على الصلوات في الجماعة، والنوافل وقيام الليل، والإحسان للناس، ولزوم العلماء الربانيين، واجتناب المعاصي آكلات الإيمان: كالغيبة والنميمة، والكذب، والخوض مع الخائضين دون بينة، والابتعاد عن مواطن الفتن.

- وأن يصبر على العافية! قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "الرجل كل الرجل مَن يصبر على العافية".

- وقال بعض السلف: "المؤمن يصبر على البلاء، ولا يصبر على العافية إلا صدّيق".

- وقال عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-: "ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر!".

ويعلِّل "ابن مفلح" -رحمه الله- ذلك بقوله: "وإنما كان الصبر على السراء شديدًا؛ لأنه مقرون بالقدرة -أي: مقدورة له وفي إمكانه-، والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه عند حضور الطعام اللذيذ" (الآداب الشرعية 1/10).

- وهناك تعليل آخر، وهو: قلة صبر الإنسان وضجره مِن اعتياده حالة واحدة؛ فبنو إسرائيل في فترة التيه في سيناء كانوا يأكلون المنّ والسلوى؛ فضجروا ولم يصبروا على طعام واحد الذي هو أطيب وأبرك، فقالوا: (يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) (البقرة:61).

عجيب فعلاً شأن الإنسان!

هل يختار إنسان الأدنى ويضجر مما هو خير منه؟!

هل يضجر إنسان مِن نعمة العافية ويطلب البلاء بالتعرض لأسبابه؟ كمن ملَّ الأمن فيريد الخوف! أو ملَّ الاستقرار فيريد الفوضى!

- ابتُلي الكثير منا بالعافية والسراء؛ فلم نصبر ولم نشكر كما ينبغي؛ فبدلاً مِن الاجتهاد في العبادة وطلب العلم والتبليغ وإقامة الدين في الأرض كان التقصير والركون إلى الدنيا والانشغال بمباحاتها؛ بل منا مَن انشغل بالغيبة والنميمة، والهمز واللمز، وتنفير الناس مِن العلماء والدعاة!

وما زالوا يخوضون! فالله حسيبهم!

- فسُلبت نعمة العافية وتبدّل الحال، وما ربُّك بظلّام للعبيد، وما تبقى مِن عافية رحمنا الله بها ما زال هناك مَن يُصرّ على ضياعها!

- لا يا أخي "ما هكذا تُورَد الإبل!"؛ ما فات لا يعود، إن كنتَ أحسنت فيه فلتحمد الله على توفيقه، وإن كنت أسأت استغفرت وتبت وعزمت على الإحسان فيما يُستقبل، وتسأل ربك حسن الختام.

- وسل ربك العافية واصبر عليها، يقول -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) (متفق عليه).

- قال ابن بطال -رحمه الله-: "حكمة النهي: أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية مِن الفتن، وقد قال الصديق: لأن أُعافى فأشكر أحب إليَّ مِن أن أُبتلى فأَصبِر" (فتح الباري).

- وقال النووي -رحمه الله-: "إنما نُهي عن تمني لقاء العدو؛ لما فيه مِن صورة الإعجاب والاتكال على النفس، والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي، وقد ضمن الله -تعالى- لمن بُغي عليه أن ينصره؛ ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدوّ واحتقاره، وهذا يخالف الاحتياط والحزم... ولهذا تمّمه -صلى الله عليه وسلم- بسؤال الله العافية... وهي مِن الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن، في الدين والدنيا والآخرة" (شرح النووي على مسلم).

- اللهم إني أسألك العافية -العامة- لي ولأحبابي، ولجميع المسلمين.