إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 07 أكتوبر 2016 - 6 محرم 1438هـ

وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (المدثر:5)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ) (متفق عليه).

فبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن المسلم الحق هو مَن اتصف بهذا الأمر الظاهر مِن سلامة الناس مِن لسانه ويده، وخصَّ اللسان بالذكر؛ لأ‌نه المعبـِّر عما في النفس، وخص اليد؛ لأ‌ن أكثر الأ‌فعال بها.

وبيَّن أن المهاجر حقـًّا ليس مَن فارق الديار ببدنه، وإنما هو مَن هجر الخطايا والذنوب كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ: مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا والذنوب) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

وإذا كانت الهجرة مِن مكة إلى المدينة لمؤازرة الإسلام ونبيه -صلى الله عليه وسلم- قد انقطعتْ بفتحها وكونها دار إيمان بعد أن كانت دار كفر، فإن الهجرة مِن كل مكان وبقعة لا يتمكن فيها المسلم مِن القيام بعبادة الله وأداء شعائر الإسلام لا تزال باقية، فعن معاوية -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ: هِجْرَةُ الْحَاضِرِ، وَهِجْرَةُ الْبَادِي، فَأَمَّا الْبَادِي فَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ وَيُطِيعُ إِذَا أُمِرَ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَهُوَ أَعْظَمُهُمَا بَلِيَّةً، وَأَعْظَمُهُمَا أَجْرًا) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

والمعني: أن ترك المعاصي خير مِن ترك الوطن، فإن المقصود الأصلي مِن ترك الوطن هو ترك المعاصي، فإذا تركها الإنسان وهو فِي وطنه، فهو أفضل ممن هاجر مِن وطنه؛ لأنه يقتدي به أهله، وعشيرته؛ فيكون سببًا لهداية كثير مِن الناس.

فالمسلم في هجرة دائمة لا تنقطع، وهي هجرة الكفر والشرك، والذنوب والمعاصي الظاهرة والباطنة؛ فإن أعظم أنواع الهجرة هجرة القلوب والجوارح لما حرَّم الله، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

والهجرة ظاهرة وباطنة: فالهجرة الباطنة: ترْك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والهجرة الظاهرة: الفرار بالدين مِن الفتن، فحقيقة الهجرة: ترك ما كرهه الله -تعالى- مما يشين وليس مِن الدين في العقائد والعبادات والمعاملات والسلوك والآداب والأقوال والأفعال والأحوال الظاهرة والباطنة.

والعبادة الخالصة لله -تعالى- وقت الفتن والشدائد والمحن تساوي هجرة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- القائل: (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) (رواه مسلم). وفي رواية عند الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح: (الْعِبَادَةُ فِي الْفِتْنَةِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ).

والهرج: هو الفتنة واختلاط أمور الناس بين الحلال والحرام حين ينتشر الحرام يظنه الناس حلال لكثرته، ويُهجر الحلال وينساه الناس لندرته!

فما أحوجنا إلى هجرة الخطايا والذنوب...

إلى هجر الكذب والرياء، والغيبة والنميمة، والفجور في الخصومة، والضعف والكسل، والإهمال.

فهلموا بنا إلى الهجرة...

إلى هجر كل ما يخالف الإسلام وشريعته... في بيوتنا، وأعمالنا، ومعاملاتنا، وفي كل حياتنا.

هلموا بنا إلى محاسبة النفس ومراجعتها... (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر:18)، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء:47).

قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ مِن نفسه، وكانت المحاسبة مِن همته".

وليس المراد أن تكون المحاسبة لمجرد المعرفة أو التحسر، وإنما المراد المحاسبة الإيجابية التي يتبعها إصلاح ومجاهدة ومصابرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200).

وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.