إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 09 سبتمبر 2016 - 8 ذو الحجة 1437هـ

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى- عن الخليل إبراهيم وولده إسماعيل -عليهما السلام-: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات:103-107).

(أَسْلَمَا): أي استسلما. قال قتادة -رحمه الله-: "أسلم هذا بذبح ولده، وأسلم هذا بتسليم نفسه لأبيه".

فضرب إبراهيم وإسماعيل أروع الأمثال في الخضوع والاستسلام لله، فإبراهيم لا يعارض ولا يمانع، بل ولا يسأل ربه حتى عن الحكمة في ذبح ولده إسماعيل وهو ابنه الوحيد آنذاك الذي رزقه الله إياه على الكبر ومع شدة حاجته إليه، وكذلك الولد الصالح إسماعيل يسارع في الانصياع والاستجابة لأمر الله ويهون على أبيه قائلاً بودٍّ وتودد: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات:102).

فالتسليم والاستسلام للواحد الديان هو روح الإسلام؛ فلا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان إلا بالإذعان والاستسلام للوحي المنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- كتابًا وسنة.

وإن عبادة الحج التي يهفو إليها قلب كل مسلم محب مشتاق لزيارة البيت الحرام تتجلي فيها عبودية الاستسلام والتسليم لأمر الله؛ فكم مِن الأفعال التي يفعلها الحاج ولا يدري حكمتها غير أن الله -تعالى- شرعها وأمر بها؛ فهو يفعلها امتثالاً وطاعة لله وهو على يقين مِن أن الله شرعها لحكمة وإن لم يعلمها هو؛ فلا يمنعه هذا مِن المسارعة في مرضاة الله وطاعته.

وهكذا ينبغي أن يكون حال كل مسلم مع الله ووحيه وشريعته ومع رسوله -صلى الله عليه وسلم-، قال الله: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور:51)، وهذا خلاف حال أهل الضلالة والكفر والنفاق الذين قال الله في شأنهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (النساء:61).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم، وعدم الخوض في تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحكِ الله -سبحانه- عن أمة نبي صَدَّقت نبيها وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها، بل انقادت وسَلَّمت وأذعنت، وما عرفت مِن الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه مِن شأنها" (الصواعق المرسلة).

وهذا التسليم لشرع الله ليس فقط بقول اللسان وإنما بالتحاكم الفعلي إلى دين الإسلام في كل شيء مِن أمور الحياة، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة:208)، وقال: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163).

وهذا التسليم والانقياد لا فرق فيه بيْن القرآن والسنة؛ إذ السنة مبينة للقرآن ومفسرة له، قال الله -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل:44)، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر:7)، وقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63).  

والمؤمن يسلِّم لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- في كل شئونه وأموره وأحواله، ويعلم أن الخير كله فيما شرعه الله وما جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن الشر كله في مخالفة حكم الله وما جاء به رسوله؛ فلا يعارض شيئًا مِن وحي الله بعقله وهواه، فهذا العقل الذي خلقه الله -تعالى- وميَّز به الإنسان عن غيره مِن الكائنات غير المكلفة هداه الله للتعرف على بعض المصالح والحكم المودعة في الأشياء، وخفي عنه الكثير منها والكثير منها، وصدق الله إذ يقول (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85)؛ فهذا العقل له عبودية عظيمة وهي الإذعان والاستسلام والاعتراف بأن الله -تعالى- يحكم ما يريد ويشرِّع ما يشاء، وما على العبد إلا الانقياد والتسليم المطلق لله -تبارك وتعالى-.

وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.