إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 19 أغسطس 2016 - 16 ذو القعدة 1437هـ

إلى الله المشتكى

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

"إلى الله المشتكى!" كلمة نكررها كثيرًا، لكننا نحتاج أن نحققها بقلوبنا وفي دعائنا؛ فالشكوى إلى الله عبادة مِن أجلِّ العبادات، عمل بها الأنبياء والصالحون.

- عمل بها النبي -صلى الله عليه وسلم- عند عودته مِن الطائف مظلومًا مضطهدًا قد تعرض له السفهاء والجُهَّال والمجرمون، وردَّ عليه الملأ دعوته وهو خير خلق الله في السماوات والأرض.

- وتعبَّد بها يعقوب -عليه السلام-، وقد أتته مصائب متتابعة فوق فقد يوسف -وهي مصيبة العمر لديه-: فقد بنيامين، وبقاء كبير أبنائه في مصر، وفقد بصره، وسوء أدب بنيه الذين ظل معهم سوء أدبهم إلى قبيل الفرج فقالوا: (تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيم) (يوسف:95).

- وتعبَّدت بها المرأة الصالحة التي سمِع الله شكواها مِن فوق سبع سماوات، تشتكي إلى الله ظلم زوجها، وانسداد أفق الحل قبْل أن ينزل الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكفارة الظهار.

- يحتاج لهذه العبادة كل مظلوم، ويحتاجها كل مَن وجد عدم الوفاء ممن سبق له منه الإحسان، ويحتاجها كل مَن وجد الكفران بدلاً مِن الشكران على المعروف والخير.

- ويحتاجها كل مَن وجد الغدر والخيانة بدلاً مِن الوفاء بالعقود والعهود، ويحتاجها كل مستضعف عاجز يتصارع أهل الطغيان أيُّهم يضربه أولاً، وأيهم يسحقه سحقًا كافيًا!

- ويحتاجها كل ناصح لقومه يجدهم لا يحبون الناصحين، حتى يصيبهم الهلاك، ويحتاجها كل داعٍ إلى الله وجد الآذان قد صُمَّت، والأعين قد أغشيت، والقلوب قد وضعت في أغلفة العناد.

- ويحتاجها كل محبٍّ للخير يجد الناس يُصرُّون على الشر والفساد والظلم والبغي.

- ويحتاجها كل مَن يشتكي للبشر عدوان المعتدين وطغيان الظالمين؛ فلا يجد إلا مزيدًا مِن الاعتداء والطغيان والظلم عقوبة على شكواه.

فإلى أين يلجأ هؤلاء؟ إلى الله وحده لا شريك له؛ الذي إنما قدَّر كلَّ هذا الفساد في الأرض؛ ليسمع شكوى الشاكين إليه، ودعاء المظلومين، وتضرُّع المستضعفين؛ لأنه يحب هذه العبادات.

ابيضَّت عينا يعقوب -عليه السلام- مِن شدة البكاء؛ فهل نجد في أعيننا بعض البكاء شكوى إلى الله -سبحانه-، وحزنًا على فَقْدِ أمتنا الراعي الشفيق الرقيق... نشكو إلى الله حالنا وحال أُمَّتِنا، ونشكو إليه همَّنا وحُزننا وبثَّنا؛ عسى أن يكون في ذلك قُرْب فرجِنا، فإن كُنَّا لا ندري ما يصنع الله بنا كأفرادٍ أو كجيل، لكننا على يقين مِن أن الأمة لا تموت، وأن الحق فيها لا يضيع، وأنه لا تزال طائفة منها على الحق ظاهرين، لا يضرها مَن خالفها أو خذلها حتى تقوم الساعة، ونحن نرجو الله أن نكون منهم.

- إن هذه الشكوى مع وجود البث والحزن والألم الفطري لا تنافي الصبر؛ فضلاً عن أن تنافي الرضا عن الله وبالله، بل يذوب الألم في حلاوة الرضا، ويفيض الله على القلب ما يغنيه ولا يشقيه، ويكون حزنًا وبثًّا عجيبًا لا يشقى به الإنسان، بل يجد لذة الشكوى إلى الله في الشعور بآثار رأفته وفرجه، ويبكي فرحًا، ويشتكي مسرورًا، ويتألم متلذذًا.

ووالله إنه لأمر عجيب، ولكنه حقيقي قد يصعب وصفه، أو يستحيل إدراكه إلا بالوجد والذوق مع أنه جلي واضح لكل مَن تأمَّل حال هذه العبادة ووجد أنوار الرجاء تبدِّل عنده ظلمات اليأس، ويتحقق بهذه العبادة في القلب أنواع مِن الطمأنينة والراحة والسكون والسعادة ما لم يمكن في عبادة غيرها.

- مِن أجْلِ هذه العبادات قدَّر الله المحنة والبلاء، بل المعصية والكفر؛ حتى يسمع تضرع عباده إليه ويؤخر إجابتهم وقد أجابها؛ لأنه يحب أن يسمع تضرعهم وشكواهم إليه (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) (الأنعام:43).

اللهم نشكو ما نزل بالمسلمين في كل مكان، نؤمن بك ونتوكل عليك، نرجو رحمتك ونخاف عذابك، اللهم فرِّج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، اللهم استر عورات المسلمين، وآمن روعاتهم، وأطعمهم مِن جوع، وآمِنهم مِن خوف، اللهم ارحم موتاهم، واشفِ مرضاهم وجرحاهم، وخفِّف آلامهم، وارحم أطفالهم وأيتامهم، وأراملهم ورجالهم ونساءهم في كل مكان.

اللهم ألـِّف بيْن قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وانصرنا على عدوك وعدونا، واصرف عنا البدع والضلال والظلم والطغيان، وولِّ أمور المسلمين في كل مكان خيارهم، ولا تولِّ عليهم شرارهم، وأغثهم بفرج ورحمة مِن عندك يا أرحم الراحمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.