إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 14 أغسطس 2016 - 11 ذو القعدة 1437هـ

أحوال القلوب وأثرها في العلاقة مع الناس

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالواقع الذي نعيشه واقع مؤلم جدًّا يحتاج إلى تغيير جذري، وإذا لم نتغير؛ فلن يتغير الواقع، وبالتالي لن يرتفع عنا البلاء الشديد، نسأل الله العافية.

البلاء لا يتزحزح بالأدوات المادية، وإنما كما قال الله -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد:11)، وتغيُّر القلوب هو أساس كل تغير.

مِن أخطر ما نواجهه العلاقة بيْن الناس وبيْن الإخوة بعضهم بعضًا؛ فإن كثرة المشاكل تدل على أن الدنيا محل التنافس، وقد تكون المشاكل صغيرة جدًّا ويمكن أن تحل بأيسر الطرق، ولكنها تتفاقم تفاقمًا تظل تُعالَج فيه سنين، ولا تجد للمسألة مخرجًا إلا برحمة الله! وربما يتم العلاج ويعود الأمر متفاقمًا بعد حين على كافة المستويات؛ داخل أفراد الأسرة الواحدة، بين الزوجين، بين الإخوة وبين الأخوات، بين الجيران، بين الزملاء في العمل، بين المتعاملين مِن الناس.

هناك أزمة لا بد مِن وقفة لحلها، نريد أن نكون مخلصين لله -عز وجل- في عملنا، وفي تحقيق الحب في الله، نريد أن يحب بعضنا بعضًا في الله، ونريد أن نذوق حلاوة الإيمان، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم- في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) (متفق عليه).

نريد أن نكون صادقين حين نقول لبعضنا: "إني أحبك في الله" بدون مجاملة، وإن هذا الأمر لعسير إلا على مَن يسره الله عليه، وهي كلمة كبيرة جدًّا: "إني أحبك في الله"، عظيمة القدر والأهمية، لكن لا بد أن تقولها وأنتَ صادق، وبالتأكيد سيكون تعاملك مختلفًا عن الذي لا يحب، فعند المحب قدر عظيم مِن التسامح والتساهل، وصفاء الود، وصفاء القلوب؛ فتحل معظم المشاكل.

لو كان عندنا وُدٌ صادق لن يقف بعضنا لبعض على الخطأ والزلة؛ فضلاً عن سوء الظن، وهذا جانب آخر وحده.

إن المشاكل تتفاقم ولا يوجد أحدٌ يصارح أخاه بما في قلبه؛ لوجود حواجز كثيرة، وهذا الأمر يدل على وجود الدنيا، وهي التي تُحدِث التنافس عليها، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) (متفق عليه).

التنافس على الآخرة يؤدي إلى الرحمة، وإلى مزيد المحبة، فقد كان عمر ينافس أبا بكر -رضي الله عنهما- ويسابقه إلى الله، ولكن بحب صادق عظيم، ونصيحة مخلصة، وربما اختلفوا، لكن الخلاف ما أوقع بينهم أبدًا ضغينة، ولا أحقادًا، ولا يستطيع أحد أن يوقع بينهم الضغائن والأحقاد.

أما الآن فالضغائن والأحقاد تملأ السهل والوادي -إلا مَن رحم الله!-، والمشاكل نابعة مِن الضغائن والأحقاد.

لو صغُر حظ الدنيا عندنا، ولو صغرنا في أنفسنا، وتواضعنا لله؛ لقلّت الخصومة كثيرًا، ولو رأى كل واحد نفسه هو المخطئ، وقال: "أنا كنتُ أظلم"، كما قالها أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في خصومته مع عمر -رضي الله عنه- ولم يكن هو الأظلم، ولكن هذه هي نظرته لنفسه، لم يكملا عدة ساعات في الخصام حتى بحث كل واحد منهما عن الآخر ليصالحه، وكان كل منهما في البداية يرى نفسه أنه المحق اجتهادًا منهما، ثم ذهب عمر لأبي بكر في الوقت الذي ذهب أبو بكر فيه إليه فلم يجده، فذهب أبو بكر للنبي -صلى الله عليه وسلم- فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر؛ لمنزلته العظيمة، فأتى عمر معتذرًا والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟"، فغلّظ على عمر لحقّ أبي بكر فما كان حال أبي بكر إلا أن قال: "يا رسول الله أنا كنتُ أظلم".

هذه الرحمة والشفقة والخوف منهما جميعًا؛ كل منهما يشفق على أخيه، ويتهم نفسه، ويريد الصلح الذي إذا حدث بيْن المسلمين ذهبت الضغائن والأحقاد.

لو قال كل خصم في الخصومات الكثيرة: "أنا كنتُ أظلم"، لو مرّن لسانه على ذلك مع أن قلبه يرى أنه ليس كذلك؛ لكان في ذلك حل للمشكلة وانفراج لكثير مِن المشاكل، لكن حتى اللسان ربما يأبى أن ينطقها مع أنه هو الأظلم في الحقيقة في كثير مِن الأحيان، فالظالم يرى نفسه مظلومًا دائمًا، لا يرى نفسه ظالمًا أبدًا، وإن كان والله مِن أظلم الظلمة، يرى نفسه لم يظلم الناس ولم يصنع بهم شيئًا، بل هو رجل تقي صالح في قمة الصلاح، ولا يرى نفسه ظالمًا.

وهذه مسألة خطيرة، تعظيم مقدار النفس عند صاحبها، عندما تصغر عليه نفسه يسهل عليه أداء الحقوق، وإذا كبرت عنده نفسه صعب عليه أداء الحقوق، وفي الحقيقة عندما تصغر النفس عند صاحبها يرتفع صاحبها لأعلى، عندما يصغر في عين نفسه يعظم عند الله -عز وجل-، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ) (رواه مسلم).

أسأل الله -عز وجل- أن يؤلِّف بيْن قلوبنا، وأن يصلح ذات بيننا.