إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 02 أغسطس 2016 - 28 شوال 1437هـ

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلما أخبر الله -تعالى- بأنه لا يستوي فعل الحسنات والطاعات، ولا فعل السيئات والمعاصي؛ أمر -سبحانه- بإحسان خاص له أثر عظيم وموقع كبير، وهو الإحسان إلى العدو والمسيء؛ ذلك أن الإحسان للمحسنين لا يزيد عن كونه مجازاة بالمثل، أما الإحسان الأعلى قدرًا ومكانة عند الله وعند الناس؛ فهو الإحسان لكل الخلق، حتى الذين أساءوا منهم! فقال -تعالى-: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(فصلت:34).

فالإحسان إلى العدو والمسيء يجعله يُفاجأ بمقابلة إساءته بالإحسان، وهو الذي كان يتوقّع مِن خصمه ردَّ السيئة بسيئة مثلها أو أشد منها؛ فتنقلب عنده المعادلة، ويخجل مِن إساءته، وينظر بعين الإكبار والتقدير إلى مَن أساء إليه، وإن لم يصر وليًّا حقيقيًّا؛ صار كأنه ولي حميم!

وامتدح الله -عز وجل- عباده المؤمنين بإحسانهم إلى أعدائهم، فقال: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(الإنسان:8)، فهم ليسوا فقط يعدلون مع الأسير فلا يظلمونه أو يجوعونه، بل يؤثرونه بأحب الطعام إليهم! (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا(الإنسان:9).

وهذه الآيات ترد على مَن يترك الإحسان ويمتنع عنه بدعوى إساءة الناس أو أنهم لا يستحقون الإحسان؛ فلو أن المسلم استحضر أنه يتعامل مع الله ويبتغي الثواب منه دون سواه لسهل عليه الإحسان؛ قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إنّ الله مُحْسِنٌ يُحِبُّ الإِحْسانَ(رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني)، وقال: (إنّ الله يُحِبُّ منَ العامِلِ إِذا عَمِلَ أنْ يُحْسِنَ(رواه البيهقي، وحسنه الألباني).

وقد وسَّع الشرع الشريف دائرة الإحسان لتشمل كل معاملات الإنسان، وكل نواحي الحياة، قال -تعالى-: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ(النساء:36)، فجمع الله -تعالى- بيْن الأمر بتوحيده وعدم الشرك به وبيْن الإحسان إلى مَن يخالطهم الإنسان حتى المستضعفين مِن المملوكين.

وإذا كان الله شكر لبغي مِن بني إسرائيل أنها سقت كلبًا فأدخلها بذلك الجنة، وكذا ثبت أن رجلاً دخل الجنة بكلب سقاه؛ فكيف بالإحسان إلى مسلم أو مَن يُرجَى إسلامه أو هدايته؟!

وإن الناظر إلى واقع المسلمين اليوم -في بلادنا وغيرها- ليوقن بحاجتهم الماسة إلى الإحسان كي نتحرر مِن ربقة الضغائن والأحقاد، والحسد، وكل أمراض النفس وسلبياتها، فينعكس هذا على أقوالنا وأعمالنا، وكل مواقفنا وسلوكنا؛ فننعم وتنعم مجتمعاتنا بالحب والود، والتفرغ إلى التنمية والبناء، والنهضة في كافة المجالات.

وقد أمر الله بالإحسان في غير ما آية كما قال -تعالى-: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(البقرة:195)، وقال: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ(القصص:77)، وقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ(النحل:90).

بل قال النبي -عليه السلام-: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ(رواه مسلم)، فأمر -صلى الله عليه وسلم- بالإحسان حتى في القتل بأن يختار الإنسان أسهل الطرق وأخفها إيلامًا وأسرعها زهوقًا.

فيا لله العجب!

فإذا كان العبد مأمورًا في الإسلام بالإحسان إلى مَن استحق القتل مِن الآدميين أو غيرهم مِن أعداء ووحوش وسباع، وبإحسان ذبحة ما يريد ذبحه مِن الحيوان، فكيف بغير هؤلاء؟!

فما أحوجنا إلى الإحسان على كافة المستويات... إحسان في عبادة الله، وإحسان في معاملة الخلق ولو بالتبسم في وجوه المسلمين فتكون لنا بها صدقة، وإحسان في الحوار والكلام، وإحسان في إتقان المهام والأعمال، وإحسان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحسان في الدعوة إلى الله التي لابد أن تكون كما أمر الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن؛ فإن أعظم الإحسان: هو الإحسان إلى الخلق بدعوتهم إلى الله، وتعليمهم ما ينفعهم في دينهم، وما يكون سببًا لسعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة مِن العلم بالله وأسمائه وصفاته، ودينه وشرعه، وتحذيرهم سبل الشر والمهالك.

نسأل الله أن يجعلنا مِن المحسنين، وأن يتقبلنا في الصالحين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.