إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 31 يوليه 2016 - 26 شوال 1437هـ

"لماذا يَحرم زواج المسلمة مِن الكتابي؟!" سؤال فَهِمَ "الألمان" إجابة شيخ الأزهر عليه... وهنا ما زالوا يجادلون!

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد نشر الموقع الإليكتروني "لليوم السابع"، بتاريخ الأربعاء، 27 يوليه 2016م، تحليلاً للكاتب الصحفي "مدحت صفوت"، تحت عنوان: (دعوة للتفكير... هل يكون الزواج المدني خطوة لدعم السلم الاجتماعي وإنهاء التعصب؟، تحريم زواج المسلمة مِن المسيحي "اجتهاد" (وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ) (البقرة:221) تخص الوثنيين... كيف يكون المسيحيون كفارًا ويتزوج المسلم نساءهم؟!).

ولمّا كانت القضية خطيرة، وتمس ثابتًا مِن ثوابت الدين، ورغم أن معظم المعلِّقين على الخبر في الجريدة قد استنكروه -والحمد لله رب العالمين-؛ إلا أنه حتى يكون على بصيرة نناقش ما ورد في مقال الكاتب مِن شبهات في نقاطٍ مركزة.

أولاً: ليس ما ذكره اجتهادًا ولا تجديدًا، بل هو اجترار لخرافات "مرقص فهمي":

فبعد وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني عمد "كرومر" إلى الطعن في أسس الاجتماع الإسلامي ونظام الأسرة التي كانت دراسات المستشرقين قد اتفقتْ على أنه أحد أهم أسباب قوة المسلمين، فأوعز إلى أحد مَن اصطنعهم، وهو: "مرقص فهمي" المحامي، فأصدر في سنة 1894م كتاب "المرأة في الشرق" دعا فيه صراحة وللمرة الأولى في تاريخ المرأة المسلمة إلى تحقيق أهداف خمسة محددة، وهي:

1- القضاء على الحجاب الإسلامي.

2- إباحة اختلاط المرأة المسلمة بالأجانب عنها (والمقصود الاختلاط الذي يتضمن صورًا محرمة، وليس مطلق التواجد في مكان عمل واحد، أو مكان دراسة واحد).

3- تقييد الطلاق وإيجاب وقوعه أمام القاضي.

4- منع الزواج بأكثر مِن واحدة.

5- إباحة الزواج بيْن المسلمات والأقباط.

ولم تكد الضجة مِن وراء هذا الكتاب تهدأ حتى صدم المسلمين بقذيفة أخرى هي كتاب "المصريون" لــ"الدوق داركير" هاجم فيه المصريين ونساء مصر، وتعدى على الإسلام، ونال مِن وضع المرأة في الإسلام!

ومِن هنا نعلم أن هذه الدعوات كانت وليدة الاحتلال بغرض ضرب استقرار الأسرة المسلمة.

ثانيًا: "شيخ الأزهر" يرد على أتباع "مرقص فهمي":

فإذا علمتَ أن هذا الذي يسمونه "اجتهادًا جديدًا" صدر في ظل الاحتلال، ومِن شخص غير مسلم؛ فاعلم أن علماء الإسلام قد تصدوا لهذا العبث بالدين الإسلامي، وكان مِن آخرهم الدكتور "أحمد الطيب" شيخ الجامع الأزهر، الذي وُجِّه له سؤال مباغت في ألمانيا:

س- لماذا تسمحون بزواج المسلم مِن نصرانية، ولا تسمحون بزواج المسلمة مِن نصراني؟!

فأجاب إجابة فيها الكثير مِن الفوائد رغم أنها مِن عفو الخاطر... وتضمنتْ إجابته العناصر الآتية:

1- أكَّد "شيخ الأزهر" أن الزواج في الإسلام مشروع ديني، وليس مدنيًّا، فقد سماه الله ميثاقًا غليظًا، فقال -سبحانه-: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (النساء:21)، وهو في ذلك يشبه الميثاق الغليظ المأخوذ على الأنبياء المذكور في قوله -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (الأحزاب:7).

2- أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولا يؤمن بعيسى -عليه السلام- حكمه في الشرع أنه "كافر".

3- أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولا يؤمن بموسى -عليه السلام- حكمه في الشرع أنه "كافر".

(من النقطتين السابقتين تعلم يقينًا حكم مَن يقول: "لا إله إلا الله، موسى رسول الله"، ولا يؤمن بعيسى -عليه السلام-، أو يؤمن بهما ولا يؤمن بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- "وستأتي هذه الجزئية في محلها مِن الرد".

4- بناءً على ما سبق بيَّن الشيخ "أحمد الطيب" أن الرجل المسلم يؤمن بأصل دين اليهود والنصارى، وبالتالي يكون مؤتمنًا على زوجته الكتابية، بخلاف الرجل اليهودي والنصراني والذي لا يكون باقيًا على يهوديته أو نصرانيته إلا إذا كان مكذبًا بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ وإلا لدخل في الإسلام.

5- هذا المسلك في التعليل أوهم بعض مَن ليس عنده علم بالشريعة أن المسألة اجتهادية، وأن الفقهاء قد بدا لهم هذا المعنى فحرَّموا زواج المسلمة من الكتابي، وهذا غير صحيح، فالنصوص في تحريم زواج المسلم من المشركة قطعية، وكذا النصوص التي استثنت الكتابيات مِن هذا التحريم قطعية، وإن حدث خلاف قديم في حكم زواج المسلم مِن الكتابية ثم اندثر هذا الخلاف، وأجمعت الأمة على صحة زواج المسلم مِن الكتابية، كما أجمعوا -وبصورة أوضح- على المنع مِن زواج المسلمة بالكافر سواء كان وثنيًّا أو كتابيًّا -كما سيأتي بيانه-.

وما يُذكر مِن فروقٍ عقلية بيْن حل زواج المسلم مِن كتابية وحرمة زواجه مِن وثنية، أو الفرق بيْن حل زواج المسلم مِن كتابية وحرمة زواج المسلمة من كتابي، وغير ذلك مِن اجتهاد العلماء في استنباط حكم أو علل لأحكام؛ فإنهم قد يصيبون فيها وقد يخطئون، ويبقى أن الحكم طالما ثبت بالنص لا سيما ما كانت دلالته قطعية أو وقع الإجماع عليه؛ فلا يسوغ الاجتهاد معه.

6- أمثلة:

- عيَّن الشرع الماء للطهارة مِن الحدث الأكبر والأصغر؛ فوجب التسليم لذلك، ثم ما زال العلم يبين في كل يوم خاصية للماء ليست لغيره مِن السوائل.

- غلظ الشرع نجاسة لعاب الكلب؛ فوجب التسليم لها تعبدًا، ثم كشف العلم الحديث الكثير مِن أضرار لعاب الكلب.

- قضى الشرع بحرمة أكل لحم الخنزير؛ فوجب التسليم لذلك تعبدًا، وعللـه البعض بأنه يخالط الأقذار، ثم اكتشفوا أن الدودة الشريطية الخنزيرية وغيرها أشد فتكًا بالإنسان عشرات المرات مِن نظيرتها البقرية، ثم اكتشفوا إنفلونزا الخنازير، وما زال العلم يضيف عللاً والحكم ثابت ومستنده النص.

ثالثًا: المرجعية العليا لمن؟

زعم المقال أن الفقهاء استندوا إلى "الاجتهاد" في تحريمهم لزواج المسلمة مِن كتابي، وبالتالي فيقبل إعادة النظر، وهو زعم ليس في محله، ولكن الأخطر مِن هذا أنه تذبذب في مرجعية الشريعة ذاتها!

يعني هب أننا لا نبحث هذه المسألة بعينها وإنما نتحدث عن مسألة (س) هل إذا وجدنا للشريعة فيها حكمًا، يجوز أن نقول: ولكن النظم الدولية أو معايير الدولة المدنية أو معايير المواطنة أو غير ذلك مِن الأفكار تقضي بحكم آخر غير الذي في الشريعة، فنترك الشريعة ونأخذه؟!

وبعبارة أخرى: إذا كان التقنين المتبع في أي دولة يعتمد على مصادر، وعلى رأسها في بلاد المسلمين: "الشريعة"؛ فأي مصدر مِن هذه المصادر يعتبر هو المرجعية العليا التي تخضع المرجعيات الأخرى لها؟!

لا شك أن المرجعية العليا بالنسبة للمسلمين هي الشريعة؛ فنأخذ مِن كل المناهج ما لا يتعارض مع الشريعة، لاسيما في باب الأسرة الذي شهد الجميع أنه أوفى أبواب المعاملات في الشريعة الإسلامية، وأن الشريعة الإسلامية استوفته مِن أول الاختيار: الخطبة، فالعقد، فالبناء، فالحضانة، والنفقة وما يعتريه مِن شقاق، فبينت أحكام الشقاق والإصلاح والنشوز، والطلاق والخُلع، وما إلى ذلك.

وبالتالي فإن الباحث في هذه المسائل يجب أن يرجع إلى الشريعة أولاً، فإن وجدها وسَّعت في الأمر فتركته للاجتهاد والتجربة وتغير الأحوال فيتم الرجوع إلى المرجعيات الأخرى، وإن وجد أن الشريعة قطعت فيها الأمر وألزمت بشيء فلا بد مِن التزامه (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65).

رابعًا: كفر مَن كذَّب بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-:

س- هل يصح إيمان مَن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولكنه كذب بموسى أو عيسى -عليهما السلام- أو أي نبي آخر ثبتت نبوته في القرآن؟

الجواب: كما يعلمه كل عاقل، وكما ورد في كلام شيخ الأزهر الدكتور "أحمد الطيب": فإن هؤلاء يعدون في دين الله كفارًا؛ فما بالك بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وهو الرسول الذي بعثه الله للعالمين، وقد استفاضت النصوص في عموم رسالته، وكفر مَن لم يؤمن بها.

ومنها قوله -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (الأعراف:158)، وقوله -تعالى-: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان:1)، وقوله -تعالى-: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (يوسف:104)، وقوله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) (سبأ:28)، وقوله -تعالى-: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام:19)، وقوله -تعالى-: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (يونس:2)، وقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران:19)، وقال -تعالى-: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)، وقال -تَعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3)، وقال -تعالى-: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) (الزمر:22)، قال -تعالى-: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) (الأنعام:125)، فكما ختم الله -سبحانه وتعالى- الدين بالإسلام فقد ختم الأنبياء بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، فقال الله -تعالى-: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب:40)، وجاء في الحديث الشريف: (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) (رواه البخاري).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (رواه مسلم).

خامسًا: هل اليهود والنصارى كفار أم أهل كتاب؟

إن مَن يسأل هذا السؤال كمن يسأل "قاهريًّا": هل أنت قاهري أم مصري؟!

يعني أن أهل الكتاب صنف خاص مِن الكفار؛ فهم كفار، والدلائل على كفرهم كثيرة، أهمها:

1- عدم الإيمان بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وقد قدَّمنا أن مَن قال إنه يصدق أنه -صلى الله عليه وسلم- رسول، ولكن لا يلزمه اتباعه فهو مكذب به في الحقيقة أو متهم له بالكذب في دعواه أنه رسول للعالمين.

2- اليهود والنصارى لديهم عقائد أخرى تزيد مِن كفرهم على أن التكذيب بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- كفر مستقل، قال الله -تعالى- عن النصارى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) (المائدة:73)، وقال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة:17).

قصة مباهلة النبي -صلى الله عليه وسلم- لنصارى نجران قطعية الدلالة في هذا الباب، ومنها: قوله -تعالى- عن عيسى -عليه السلام-: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران:61).

3- ومِن عجيب شأن البعض أنه يحتج بآية المباهلة في فضل "آل البيت" وهي كذلك، ولا يحتج بها في كفر النصارى مع وضوحها!

وإذا علمتَ أن اليهود والنصارى كفار بنص القرآن؛ فهل هم مشركون؟

واقع الحال أنهم مشركون؛ لأنهم يعبدون مع الله غيره، ومِن ذلك قوله -تعالى-: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:31).

ولكن قد ورد في مواطن مِن القرآن تقسيم الكفار إلى نوعين:

- المشركون.

- أهل الكتاب.

وذلك في مثل قوله -تعالى-: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البينة:1).

قال الشيخ "سيد طنطاوي" شيخ الأزهر السابق في تفسيره الوسيط: "والمعنى: لم يكن الذين كفروا مِن أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، ولم يكن -أيضا- الذين كذبوا الحق مِن المشركين، ولم يكن الجميع بمفارقين وبمنفصلين عن كفرهم وشركهم (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) التي هي الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلما أتتهم هذه البينة، منهم مَن آمن، ومنهم مَن استمر على كفره وشركه وضلاله!".

وورد ذلك أيضًا في قوله -تعالى-: (ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (البقرة:105).

ويؤخذ مِن هذا أن القرآن قد يخص الوثنيين بوصف الشرك، ويكون وصف الكفر شاملاً للوثنيين ولأهل الكتاب، وهذا لعله ناشئ مِن أن أبرز مظهر مِن مظاهر كفر أهل الكتاب مع شركهم، هو كفرهم بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ بينما أبرز مظهر لكفر الوثنيين هو عبادتهم آلهة متعددة مع الله؛ وإلا فأهل الكتاب جمعوا بيْن الكفر بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وبين عبادة الأنبياء، فهم كفار مشركون، والوثنيون جمعوا كذلك بيْن الكفر بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وبين عبادة آلهة مِن دون الله.

سادسًا: هل ينطبق على أهل الكتاب كل ما ينطبق على باقي الكفار؟ وهل ما ينطبق على باقي الكفار ينطبق على أهل الكتاب؟

نستصحب ذات المثال الذي ذكرنا آنفًا:

س: إذا صدر قانون أو قرار وزاري في مصر: هل يطبَّق على أهل القاهرة؟

الإجابة: نعم.

س: إذا صدر قرار مِن محافظ القاهرة: هل يطبق على باقي المحافظات؟

الإجابة: لا.

س: إذا صدر قرار وزراي ثم صدر قرار آخر خاص بالقاهرة؛ فأي القرارين يطبق؟

الجواب: يطبق الأول في كل المحافظات "عدا القاهرة"؛ فيطبق فيها الثاني.

وهذا المثال الأخير يسمَّى عند علماء الأصول تخصيصًا، وهو الحاصل بالنسبة للنهي عن زواج المسلم بالمشركة، فقد تم تخصيصه -أي استثناء الكتابية مِن هذا- فأبيح زواج المسلم بها، وأما زواج المسلمة مِن الكافر أو المشرك فأتى فيه المنع دون تخصيص، فيبقى على عمومه.

سابعًا: زواج المسلم مِن غير المسلمة:

ورد في هذه المسألة ثلاثة أدلة:

الدليل الأول: قوله -تعالى-: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (البقرة:221)، أي لا يجوز للمسلم أن يتزوج مشركة، وهو يشمل الكتابية والوثنية -كما بيَّـنَّا-، وربما قال بعضهم: يشمل الوثنية فقط؛ لما ورد في القرآن مِن تقسيم الكفار إلى مشركين وأهل كتاب، وعلى أيٍّ فقد جاء النهي عن إمساك الزوجة الكافرة، وهو اللفظ الذي شاع في القرآن استعماله في حق الوثنيين وأهل الكتاب معًا كما في قوله -تعالى-...

الدليل الثاني: قوله -تعالى-: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) (الممتحنة:10):

أي لا تبقوا المرأة الكافرة في عصمتكم، ومنه يتضح أن الشرع نهى المسلم عن الزواج مِن غير المسلمة: بلفظ الشرك، وبلفظ الكفر؛ مما يعني دخول الكتابيات فيه، ولكن ورد لاحقًا ما أفاد استثناء الكتابيات، وهذا هو الدليل الثالث...

الدليل الثالث: قوله -تعالى-: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة:5).

وبهذا يثبت استثناء التكابيات مِن عموم تحريم نكاح المسلم لغير المسلمة.

وقد اختلف العلماء في تعليل هذا الاستثناء، وأيًّا ما يكن مِن حِكَم استخرجها العلماء اجتهادًا لهذا الحكم؛ فلا يدل هذا على أن أصل المسألة اجتهادية، بل هي منصوص عليها -كما تقدم بيانه-.

ثامنًا: زواج المسلمة مِن غير المسلم:

ورد في هذه المسألة دليلان:

الدليل الأول: قوله -تعالى-: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة:221).

الدليل الثاني: قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (الممتحنة:10).

وأنتَ ترى أن القرآن قد حرَّم زواج المسلمة مِن غير المسلم، واستعمل لفظ الشرك تارة، ولفظ الكفر تارة، ولم يعد هناك مجال لأي ترددٍ.

كما أنه لم يثبت فيما يتعلق بتحريم زواج المسلمة مِن غير المسلم أي نوع مِن أنواع الاستثناء، وكيف يحاول البعض أن يُثبت هنا استثناءً كالذي ورد في حق زواج المسلم مِن الكتابية مع كونه لم يرد، ومع أن الله -عز وجل- قد فصَّل في هذا الحكم بيْن الرجال والنساء ليعلم أن لكل منهما حكمه.

فعلم مِن هذا أن تحريم زواج المسلمة مِن الكافر أو المشرك قد جاء عامًّا، لم يُستثنَ منه شيئًا، وأجمعت الأمة على هذا -كما سيأتي بيانه إن شاء الله-.

وهذا الحكم الثابت بالنص والإجماع قد اجتهد الأئمة في بيان الفرق فيه بيْن حال الرجل الذي سُمح له بالزواج مِن الكتابية، وحال المرأة التي لم يسمح لها بذلك، وهذا الاجتهاد في التعليل لا ينفي أن الحكم أصلاً ثابت بالكتاب والإجماع.

تاسعًا: الإجماع على حرمة زواج المسلمة مِن الكافر بالإطلاق:

وعلى فرض وجود أي احتمال في فهم النصوص الماضية، فإن الإجماع على الأحكام المستفادة منها يرفع أي احتمال؛ لأن الله -تعالى- عصم هذه الأمة مِن أن تجتمع على ضلالة، ولذلك اعتنى أهل العلم عناية كبيرة بضبط الإجماع وحكايته حتى يمسك المجتهدون "الذين استجمعوا شرائط الاجتهاد" عن الاجتهاد فيما أجمعتْ عليه الأمة؛ فضلاً عن عموم المسلمين الذين لا يحق لهم الاجتهاد في هذا ولا في غيره؛ ومِن ثَمَّ تبيَّن أنه الصواب، ودخل مخالفه تحت الوعيد الوارد في قوله -تعالى-: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:115).

وقد نقل الإجماع كل مِن: الإمام الشافعي، والإمام القرطبي -رحمها الله تعالى-.

1- الإمام الشافعي: قال في الأُم: "فَحَرَّمَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى الْكُفَّارِ نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمْ يُبِحْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِحَالٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ، وَحَرَّمَ عَلَى رِجَالِ الْمُؤْمِنِينَ نِكَاحَ الْكَوَافِرِ إلَّا حَرَائِرَ الْكِتَابِيِّينَ".

2- الإمام القرطبي: قال في تفسيره: "وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الْمُشْرِك لَا يَطَأ الْمُؤْمِنَة بِوَجْه".

عاشرًا: كل الأديان تقف نفس الموقف؛ فلماذا إتعاب النفس؟!

يقول كاتب المقال: "وقبْل أن نطرح رؤية الأصوليين للنقاش، نؤكد أن الأصوليين المسيحيين يعترضون أيضًا على زواج المرأة مِن غير دينها -وتجيز للرجل ذلك!-، ولا يعترفون به، ويصفونه بـ"الزنا" المترتب عليه إخراج مَن تفعل ذلك مِن المسيحية، وطردها مِن نعيم الملكوت، ويذهب الخطاب الأرثوذوكسي -تحديدًا- إلى أبعد مِن ذلك، حيث يرفض أيضًا زواج الأرثوذوكسية مِن الكاثوليكي أو البروتستانتي؛ بينما يقبل على مضض زواج الأرثوذوكسي مِن غير الملة".

ورغم اعترافه بهذا؛ إلا أنه مضى قدمًا في محاولة إقناعنا أن الإسلام لا يمنع مِن زواج المسلمة مِن الكتابي!

وهذا الموقف مِن هذه المسألة يجرنا للكلام عن قضية التكفير ذاتها، وكيف أن أصحاب كل دين يكفـِّرون أصحاب الأديان الأخرى، فتكفير اليهود لمن سواهم معلوم لا يحتاج إلى أن تدلل عليه، وتكفير النصارى لليهود؛ لأنهم كفروا بعيسى -عليه السلام- "بل في العقيدة المسيحية أنهم صلبوه"، وتكفير النصارى للمسلمين لأمور عدة، منها: إيمان المسلمين بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، والنصارى يكذبونه كما مضى، ومنها أن إيمان المسلمين بعيسى -عليه السلام- على أنه رسول كسائر الرسل بينما تقوم المسيحية الآن على أنه مكون مِن "لاهوت وناسوت"، وأنك لا بد وأن تعتقد أنه صلب مِن أجلك؛ وإلا فلن يُخلصك مِن النار!

وأما المسلمون فيؤمنون بإلهٍ واحد، فرد صمد، لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كُفوًا أحد، فيُكفِّرون مَن نسب إلى الله الصاحبة والولد، ويُكفِّرون مَن كفر برسالة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، أو كذبه، فإنه رسول للعالمين، ورسول لأهل الكتاب ولغيرهم كما قال -تعالى-: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة:15-17).

الخلاصة:

- أن كل مَن اعتقد عقيدة فهو كافر بما سواها، ويرى مَن اعتقد سواها كافر بها.

- وأن كل عقيدة تتبعها شريعة هي في الإسلام مِن الشمول بمكان؛ لا سيما في أحكام "الأسرة" التي جاء معظم أحكامها في القرآن تفصيليًّا على خلاف المعتاد؛ نظرًا لأهميتها، ولسد باب التلاعب بها.

مِن تعليقات قراء "اليوم السابع" على هذا المقال... أعجبني هذين التعليقين:

الأول: "أين مقترح الخطبة المكتوبة؟!: إذا كان الخطيب المرخص للخطابة، والحاصل على شهادة أزهرية لن يخطب إلا مِن ورقة يكتبها له موظف في الأوقاف، فكيف لصحفي "لم يدرس الدين!" -كانت العبارة أشد مِن ذلك فخففتها- أن يكتب مقالاً يحارب فيه أصلاً مِن أصول الدين في موقع يقرأه ملايين الناس؟! لماذا الكيل بمليون مكيال فيما يخص الشرع يا بشر؟! هذا الأمر لو استمر؛ فإنه سيسبب خطرًا كبيرًا على المجتمع. وحسبنا الله ونعم الوكيل".

الثاني: "أساسًا أنتَ... حتى الصورة المرفقة بالمقال مِن تظاهراتٍ في لبنان".