إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 26 يونيو 2016 - 21 رمضان 1437هـ

وابل الخير والغفران في العشر الأواخر مِن رمضان

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن ما بقي مِن "رمضان" مِن أيام العشر الأواخر أعظم مما مضى منه؛ ولمَ لا؟!

وهذه العشر الأواخر مِن رمضان هي روح رمضان، وقلبه النابض.

وقد كانت عناية النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذه الأيام العشر عناية عظيمة، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، مَا لا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ" (رواه مسلم).

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على تجويد كل أعماله وإحسانها -وخصوصًا خواتيمها كهذه العشر الأواخر-، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ" (متفق عليه).

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "وفي الحديث: الحرص على مداومة القيام في العشر الأخير، إشارة إلى الحث على تجويد الخاتمة، ختم الله لنا بخير، آمين".

وكذلك كانت عناية سلفنا الصالح بهذه العشر الأواخر عناية عظيمة؛ فهذا "سفيان الثوري" -رحمه الله- يقول: "أحب إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك".

وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "المحبون تطول عليهم الليالي؛ فيعدونها عدًّا لانتظار ليالي العشر في كل عام، فإذا ظفروا بها نالوا مطلوبهم، وخدموا محبوبهم".

فهذه العشر الأواخر هي أعز ما في رمضان، وأعز ما فيها "ليلة القدر"؛ تلك الليلة التي هي أعظم ليلة مرَّت على بني الإنسان بنزول أعظم ملك فيها بأعظم كلامٍ تكلَّم به الرحمن -عز وجل-، وهو "القرآن العظيم".

وهي ليلة خير مِن ألف شهر كما قال -تعالى-: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ).

قال الإمام النخعي -رحمه الله-: "العمل فيها خير مِن العمل في ألف شهر سواها".

ومعنى هذا أنها ليلة واحدة، ولكنها أفضل مِن نحو ثلاثين ألف ليلة، فالشهر إما أن يكون ثلاثين يومًا أو تسعة وعشرين يومًا، أي تقريبًا نحو ثلاثين ألف ليلة، ومقدارها بالسنين نحو ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر؛ فهذه الليلة "الواحدة" تساوي عمرًا مديدًا طويلاً قد لا يصل إليه الإنسان بسنوات حياته.

فمَن فاز في هذه الليلة فهو الفائز حقـًّا؛ فإنه يرجع بمغفرة الله -تعالى- وعفوه -سبحانه-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه). (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) أي: "تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه، وطلبًا للأجر لا لقصد آخر مِن رياء أو نحوه" (فتح الباري).

وقال لعائشة -رضي الله عنها- لما سألته: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟ قَالَ: (تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتكف في المسجد ويلزمه في هذه العشر حتى يتيقن مِن إدراك فضيلة هذه الليلة العظيمة.

ومَن حُرم خير هذه الليلة فهو المحروم حقـًّا -نسأل الله العافية-: عن أنس -رضي الله عنه- قال: دَخَلَ رَمَضَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلا مَحْرُومٌ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

فمن كان مقصِّرًا: فحري به أن يشمِّر عن ساعد الجد، وأن يفيق مِن غفلته، ويأخذ في العمل الجاد لتعويض ما قد فات، وعليه بمزيدٍ مِن الاجتهاد في الخير، فإن مَن أحسن فيما بقي غفر له ما قد مضي.

ومَن كان محسنًا: فحري به أن يَزداد إحسانًا وإقبالاً على الله؛ ولمَ لا والجائزة الكبرى إنما توهب للمحسنين في هذه الأيام الأخيرة مِن رمضان؟!

فهلم بنا نتعرض لرحمة الله ومغفرته ونفحاته العظيمة.

ومَن لم يتعرض لتلك النفحات في هذه الأوقات؛ فمتى إذن؟!

ومَن لم يكن أحسن حتى الآن مع ربه وازداد منه قربًا؛ فماذا ينتظر؟!

فهلم إلى الجد والعمل؛ فما زلنا في الثُلث، والثلث كثير...

نسأل الله أن يبلغنا "ليلة القدر" وأن يتقبلنا فيها، وأن يحسن أعمالنا وخواتيمنا.

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.